Friday, March 16, 2012

تأثير التطور العمراني الحديث على التراث العمراني - بحث ومحاضرة فى 1995


بسم الله الرحمن الرحيم و به نستعين

ندوة الحفاظ على التراث العمراني فى الإمارات

3-5 يونيو 1995 دبي - الإمارات العربية المتحدة


 

بحث عن

تأثير التطور العمراني الحديث على التراث العمراني في الإمارات

دراسة حالات في دبي والعين

 د.م. ياسر عثمان محرم محجوب

مدرس بقسم الهندسة المعمارية

كلية الهندسة - جامعة الإمارات العربية المتحدة





تمهيد
التطور الإنساني في العصر الحديث و تأثيره على التراث العمراني
لماذا الحفاظ على التراث العمراني؟
إشكالية الحفاظ على التراث العمراني
التطور العمراني الحديث في دولة الإمارات العربية
تأثير التطور العمراني الحديث على التراث العمراني بدولة الإمارات العربية المتحدة
حي البستكية بمدينة دبي
منطقة السوق والعبرة
الحدائق التراثية بالعين
قلعة الفهيدى و متحف دبى
بيت الشيخ سعيد
أشكال التأثير على التراث العمراني
مستويات الحفاظ على التراث العمراني
أساليب الحفاظ على التراث العمراني
أساليب المعالجة والحلول
التراث العمراني و السياحة
التراث العمراني و ممارسة المهنة
الحفاظ على التراث في عصر المعلومات
التوصيات والاقتراحات


تمهيد


"المعالم المعمارية هي إفراز طبيعي للتفاعلات الحضارية و السياسية و الاقتصادية و الاجتماعية فى كل مرحلة، منذ فجر التاريخ حتى العصر الحديث."

التطور العمرانى هو مظهر من مظاهر التطور الانسانى فى العصر الحديث، مثلما كان فى كافة عصور التاريخ، حيث تأثرت البيئة العمرانية باحتياجات كل مرحلة من مراحل التطور الانسانى و تغيرت تبعا لتغيرها. و ما يعتبر اليوم تراثا معماريا كان فى الماضى جزءا من الحياة اليومية مثله مثل ما ننتجه اليوم من مبانى و من منشآت. وقد تأثر التراث العمرانى بالتطور العمرانى فى العصر الحديث تأثيرا غير مسبوق نظرا لسرعة و شدة التطور الانسانى خلال هذا القرن بصورة لم تحدث فى التاريخ من قبل.


التطور الانسانى فى العصر الحديث و تأثيره على التراث العمرانى

مرت الانسانية خلال القرن الحالى بالعديد من التغيرات المتلاحقة التى احدثها ظهور الصناعة و الماكينة كجزء اساسى من الحياة اليومية للانسان. و ظهرت السيارة و وسائل المواصلات المختلفة التى يسرت الحركة و التنقل من مكان الى مكان. و قد ساعد ذلك الانسان على التعرف على اساليب حياة مختلفة كانت مجهولة بالنسبة له من قبل. و اقبل الناس على حياة الحضر و حلت المدن و المناطق الحضرية محل المناطق الريفية و البدوية حيث انتشرت الخدمات المركزية و النظم الادارية و الصحية.

انتقل الانسان بعد ذلك الى حياة الحداثة و الاعتماد على الميكنة فى الانتاج و الحياة اليومية و ظهرت وسائل الاتصال و الاعلام لتغير من اسلوب الحياة حتى فى المناطق النائية. و تعيش الانسانية مرحلة جديدة مختلفة تماما عن سابقتها يطلق البعض عليها "عصر ما بعد الحداثة" تتميز بتوافر وسائل الاتصال و الحاسب الالى و تبادل المعلومات، فأصبح العالم كله "قرية صغيرة" يتبادل افرادها المعلومات دون التأثر بالابعاد الجغرافية و المادية. و يمكن تلخيص المراحل التى مرت بها الانسانية فى العصر الحديث بأنها :

الصناعة - التحضر - الحداثة - المعلومات
Industrialization - Urbanization - Modernization - Information


لماذا الحفاظ على التراث العمرانى؟

شهدت الانسانية خلال القرن الحالى العديد من الحروب المدمرة التى اظهرت مدى ضعف التراث العمرانى و الانسانى عامة امام القوة التدميرية للاسلحة و الحروب. و باختفاء العديد من المبانى الاثرية اثناء الحرب العالمية الثانية بدأ الانسان يدرك اهمية العمل على الحفاظ على التراث العمرانى من الفناء. فبالرغم من تأثير الزمن و التآكل الطبيعى و تأثير الكوارث الطبيعية من زلازل و فيضانات و خلافه على التراث العمرانى فان تأثير الانسان على التراث العمرانى كان افدح و اكبر. كذلك اثرت التكنولوجيا فى تسهيل التطور العمرانى السريع و اختفاء العديد من المبانى و المناطق الاثرية لافساح الطريق للطرق و المشروعات العامة و الصناعية الكبيرة. و ساهمت الصناعة فى زيادة التلوث البيئى للهواء و المياه مما اثر تأثيرا مباشرا على التراث العمرانى. فبالاضافة للتلوث الناتج من عادم السيارات انتشرت مداخن المصانع تنشر فى الهواء الملوثات التى تؤثر على الانسان و الجماد معا.

اصبح الحفاظ على التراث العمرانى مسئولية تاريخية انسانية تساهم فى الابقاء على معالم الماضى لكى يراها ابناء المستقبل. فمنذ ان وعى الانسان الحتمية التاريخية للماضى و الحاضر و المستقبل حاول تسجيل حاضره و الحفاظ على ماضيه ليراه المستقبل. و اصبح التراث العمرانى يعكس الهوية الحضارية للانسان: ماضيه و حاضره و مستقبله. و مع استمرار الغزو الثقافى للحضارات الغربية فى العالم الثالث اصبح الحفاظ على الهوية الحضارية من خلال الحفاظ التراث العمرانى هدفا اساسيا.


إشكالية الحفاظ على التراث العمراني؟

بالرغم من اتفاق الجميع على اهمية الحفاظ على التراث العمرانى الانسانى الا ان محاولات الحفاظ على التراث العمرانى تتعسر فى مواجهة احتياجات التطوير العمرانى الحديثة. فبحساب الكلفة الاجتماعية والكلفة الاقتصادية والكلفة الثقافية لمشروعات الحفاظ و مقابلتها بالكلفة الاجتماعية والكلفة الاقتصادية والكلفة الثقافية لمشروعات الاسكان او التعليم او الصحة نجد الاخيرة تختار على حساب مشروعات الحفاظ و خاصة فى دول العالم الثالث الفقيرة. و يجد المسئولين انفسهم امام تساؤلات عدة منها: الحفاظ ام توفير مساكن افضل و خدمات امثل؟ الحفاظ ام التطور؟ الحفاظ ام الحداثة؟

و عندما تتعارض - كما يحدث فى فى كثير من الاحيان - احتياجات التطوير نحو الحضارة الحديثة مع اتجاهات الحفاظ على التراث العمرانى، عندها يعتبر البعض الحفاظ عائق للتقدم و الارتفاع بمستوى الاحوال المعيشية لافراد المجتمع. فى واقع الامر يعتبر الاهتمام باحتياجات الحاضر على حساب التراث الانسانى يعتبر من الاخطاء الجسيمة التى ارتكبتها الانسانية فى كثير من العصور. فالسبيل الوحيد للمعاصرة الصادقة هو ادماج تراث الماضى الاصيل فى الواقع المعاصر.

مع زيادة الظواهر المحيطة بنا التى تعتبر شواهد على الماضى تزداد اشكالية الاختيار بينها. فحتى الظاهرة الحديثة يمكن اعتبارها تستحق الحفاظ عليها كدفاع ضد التغير السريع فى التكنولوجيا او كرمز من رموز الهوية الثقافية او الاثنين معا.

و تتبقى مشكلة الاختيار بين موروثات التراث و ما تركه السلف من القضايا التى تحير المختصين على كافة المستويات. فكما هو معلوم للجميع ليس كل ما ترك السلف يستحق الحفاظ عليه. فاما ان يكون التراث ذو مكانة تاريخية خاصة او ذو اهمية معمارية او تصميمية او ابداعية خاصة او متفردا لا يوجد منه الكثير و الا يصبح الحفاظ على التراث عمل بلا هدف حقيقى. و كذلك فان المعايير الجمالية تتطور باستمرار. فالمعالم التى كانت تعتبر تاريخيا او انسانيا معالم متميزة تتغير مع الزمن و تصبح غير متميزة فى عصر آخر و بالتالى تفقد اهميتها التراثية.


التطور العمراني الحديث فى دولة الإمارات العربية

تأثر التراث العمراني في دولة الإمارات العربية المتحدة تأثرا كبيرا بالأوضاع الاقتصادية و الثقافية و الاجتماعية لسكان المنطقة. فلعقود طويلة قبل اكتشاف البترول كان أسلوب حياة السكان المنطقة يتصف بالهدوء و الحياة التقليدية البسيطة الآمنة. و انعكست مظاهر و سمات تلك المرحلة على العمارة المحلية بالمنطقة و ساهمت العمارة فى توفير بيئة مناسبة للسكان تقيهم من حرارة الجو عن طريق حلول مبتكرة للاستفادة من مواد الانشاء المتوفرة و استغلال الرياح الملطفة عن طريق البراجيل. و اعتمد اقتصاد المنطقة قبل اكتشاف البترول على التجارة و صيد اللؤلؤ فى المناطق الساحلية و الزراعة فى الواحات بالقرب من عيون المياه و الرعى فى المناطق الصحراوية.


تميزت مرحلة ما قبل ظهور البترول بانعكاس واضح للقيم الثقافية و الاجتماعية و البيئية على العمارة تمثلت فى التنظيم الوظيفى لعناصر المسكن و الاعتماد على الفناء الداخلى المفتوح لتوفير الخصوصية اللازمة للسكان و استخدام مواد انشاء محلية مثل الاحجار البحرية و الجص و الحجر و النخيل و الاستفادة من البراجيل فى تلطيف الجو الداخلى للغرف. و انتشرت القلاع عند مداخل المدن لتوفير الحماية للسكان. و تتعدد امثلة العمارة التراثية فى انحاء دولة الامارات العربية المتحدة مثل قلعة الفهيدى بدبى التى تم تحويلها الى متحف و قلعة الحصن بابو ظبى و القلعة الشرقية و قلعة المربعة بالعين و غيرها. و من اهم الامثلة المعمارية لتلك الفترة بيت الشيخ سعيد بمدينة دبى و الذى تم تجديده حديثا ليصبح من المعالم التراثية لدولة الامارات. و تشترك جميع امثلة العمارة التراثية فى دولة الامارات العربية المتحدة فى تحقيقها لطابع معمارى مميز ينتمى للمنطقة و يعكس كافة ظروفها الثقافية و البيئية و الاجتماعية.




ان الطفرة الاقتصادية التى افرزها ظهور النفط فى المنطقة فى نهاية الاربعينات و اوائل الخمسينات من هذا القرن العشرين و ما ارتبط بذلك من اتصالات خارجية حملت معها مؤثرات اقتصادية و اجتماعية ما لبثت ان غمرت الكيانات العمرانية لمدن الخليج التراثية، فأصبحت المنطقة مسرحا و ملعبا و مختبر تجارب العمارة. يحاول فيه الكل ان يظهر فيه فنه و قدراته. و ذلك كنتيجة طبيعية لانفتاحنا على الغرب دون اى تحفظات. و من هنا دخلت القيم الغربية لتغير من النمط المعمارى و التخطيطى للمدن فى المنطقة.


 

  

مع بداية ظهور البترول بكميات اقتصادية اصبحت المنطقة مركز جذب عالمى و قوة اقتصادية مؤثرة و حدثت طفرة اقتصادية هائلة خلال السبعينات انعكست على عمارة المنطقة التى تغيرت بشكل كبير لتناسب الاوضاع الاقتصادية و الاجتماعية و الثقافية الجديدة. و بعد اعلان انشاء دولة الامارات العربية فى يوليو سنة 1971 توافدت على المنطقة العديد من المكاتب الاستشاريةالمعمارية العالمية و شركات الانشاء و التشييد و بدأت حركة سريعة فى التنمية العمرانية فى مختلف انحاء الدولة. و نظرا لقلة الكفاءات المواطنة فى تلك الفترة فى مجال العمارة و التشييد اعتمد العمل على كفاءات اجنبية غير مواطنة سواء من دول عربية او اجنبية. و ظهرت انماط كثيرة من العمارة ذات طابع غربى و استخدمت مواد و نظم انشاء حديثة لم تكن معروفة فى المنطقة من قبل و اتاح توافر العامل الاقتصادى اتمام المشروعات و ظهورها على ارض الواقع بسرعة.

بعد اكتشاف النفط حدثت طفرة هائلة فى معظم المدن الخليجية و نظرا لعدم وجود قوانين و خبراء فى مجال المحافظة على التراث العمرانى فقد ادى التطور السريع فى مدن الخليج الى ازالة المدن القديمة بتراثها و ارتباطها بالارض و العوامل الاجتماعية و استبدالها بمدن لا تمت بصلة الى تراث و تاريخ و مناخ المنطقة.
انتشرت المبانى و المنشآت التى تتماشى مع طابع العمارة الحديثة المميز لهذا العصر و تم استخدام الخرسانة المسلحة و الحديد و الزجاج و الاعتماد على تكييف الهواء كعنصر اساسى من عناصر المبنى. انتشرت الطرز المعمارية المختلفة و الاشكال المستوردة من مختلف انحاء العالم و غلب عليها طابع العمارة الحديثة و الاعتماد على مواد و نظم انشاء مستوردة. انتشرت المبانى التى لا تحمل طابع و لا هوية المنطقة و لا تنتمى اليها و اصبحت جزء من الواقع العمرانى للمنطقة حتى اطلق البعض على منطقة الخليج "ملعب العمارة" نظرا لاستخدام العديد من الاشكال المعمارية دون التقيد بوجود اى طابع او هوية. و قد نشأت تلك الظاهرة نتيجة عدم الوعى بأهمية وجود طابع معمارى مميز للمنطقة و اتجاه العمارة الحديثة السائد فى تلك الفترة و الذى نادى باهمال العمارة التقليدية و الاهتمام بالتطور التكنولوجى فى سبيل تحقيق عمارة تتناسب مع متطلبات العصر و التقدم التكنولوجى دون الاهتمام بالانسان و ظروفه الثقافية و الاجتماعية. و تغلب العامل الاقتصادى و توافر التمويل اللازم فى انشاء العديد من الامثلة المعمارية التى لا تتناسب مع الظروف البيئية و الاجتماعية. و انتشر استخدام المبانى الزجاجية التى تمتص و تعكس اشعة الشمس الحارقة اثناء الصيف وزيادة استخدام التكييف و الطاقة الكهربائية.


اهم التحديات التى افرزها العصر و تهدد التراث المعمارى فى المدن الخليجية: 1- الطفرة الاقتصادية التى ظهرت فى المنطقة وترتب عليها النظر الى الغرب و افرازه الثقافى على انه هو المثل الذى يجب ان يحتذى به. و انكار المحتوى الوظيفى و الجمالى لتراثنا المعمارى الخالد الذى صمد امام تحديات الزمان و حقق الاهداف المنشودة منه للانسان فى الخليج عبر التاريخ. 2- الهجمة المعمارية الحديثة على التراث المعمارى، و تتجسد معالم تلك الهجمة فى استيراد المخططات من الخارج بدلا من التصميمات المعمارية المحلية او الاسلامية. و اهمال القيم الوظيفية و القيم الجمالية لتراثنا مما جعل المنطقة تعيش فى حالة من الاغتراب الحضارى بعامة الاغتراب و المعمارى بخاصة. 3- عدم وجود الوعى الاثارى لدى الانسان المعاصر و عدم الشعور بقيمة التراث الحضارى و على رأسه الموروث المعمارى و ادراك ان عمارتنا التقليدية ليست مجرد زخارف جمالية فقط بل هى قيم تصميمية تخطيطية تستطيع كما استطاعت من قبل ان تلبى متطلبات العصر و تصلح و بفعالية اذا قمنا باستلهام عناصرها فى تحقيق الوظائف المعمارية. 4- عدم وجود مدرسة قومية للترميم و الصيانة و تأخذ على عاتقها حماية هذا التراث الذى يعتبر امانة غالية فى اعناقنا. 5- الاغتراب المعمارى الذى وجد فى المنطقة كنتيجة حتمية لوجود جيل من المعماريين المعاصرين درس و تعلم النظريات المعمارية الحديثة فى جامعات الغرب منكرا القيم التخطيطية بابعادها الوظيفية و الجمالية للتراث المعمارى شأنهم شأن من افقده الانبهار بمدنية الغرب القدرة على تقييم تراثه المادى. 6- استفحال تجارة المضاربة بالعقار مما يدعو الكثيرين للتضحية بالابنية التاريخية مهما كانت اهميتها و هدمها نظير مقابل مادى كبير. 7- سرعة معدل التطوير و اعادة التطوير الجارى على المدن التاريخية العربية و خاصة فى اغنى اجزائها.

غت الاوضاع المتدهورة للمنطقة حد لا يمكن تجاهله لما له من تأثير على سلامة و بقاء التراث العمرانى بتلك المنطقة فى حالة سليمة. و قد تأثر الحى بالتطور العمرانى و ادخال المرافق و التكنولوجيا الحديثة و تدهور التراث العمرانى كما يتضح فى الكثير من الامثلة. و تم تشويه العديد من المبانى التراثية باضافة الالوان و المبانى و الفتحات للتكييف و الفتحات المستعارة اليها.




المدخل الشرقي لحى البستكية


تاثير التطور العمرانى الحديث على التراث العمرانى بدولة الامارات العربية المتحدة

تختلف اشكال تأثير التطور العمرانى الحديث على التراث العمرانى تبعا لحجم و نوع و اهمية التراث العمرانى و كذلك تبعا لدرجة التطور العمرانى التى شهدتها المناطق المختلفة. و من المثير للدهشة ان تأثير التطور العمرانى المخطط اخطر بكثير من تأثير عوامل الاهمال و الزمن. فالاولى كفيلة بازالة التراث العمرانى تماما فى حين ان الثانية تصيبه بالتدهور و التلف. كذلك يختلف شكل التاثير تبعا لوجود التراث العمرانى كوحدات منفصلة او كمجموعات او كأحياء او مناطق كاملة.

و فيما يلى عرض لبعض امثلة من التراث العمرانى التى تأثرت بالتطور العمرانى الحديث فى دولة الامارات العربية المتحدة. و توضح الامثلة تأثير التطور العمرانى السلبى على عدد من المناطق بالاضافة الى عرض لبعض محاولات الحفاظ التى تم تطبيقها.



حى البستكية بمدينة دبى


ان التراث العمرانى يوجد على هيئة مبانى منفصلة او على شكل مجموعة من المبانى و الملاحظ أن الجهات المسؤولة اهتمت ببعض المبانى المنفصلة و تركت مناطق بكاملها لأقدارها. و للأسف فقد كانت تلك المناطق تسكنها عائلات غنية قادرة على الحفاظ على تلك المبانى بحالة جيدة و لكن بتركها تلك المساكن انتقالا الى المناطق الجديدة خلال الحقبة النفطية تركت تلك المناطق فى يد من لا يقدر قيمتها الحقيقية و ليس باستطاعته ماديا صيانتها حيث اصبحت تلك المناطق مأوى لطبقات محدودة الدخل او من غير سكان المدينة الاصليين مما ادى الى تدهور واضح فى حالتها ثم سقوطها ليقوم مكانها مسخ مشوه فى تنافر صارخ مع كل ما من حوله من عراقة و تاريخ.

من الاحياء التى شهدت مثل هذا التطور بمدينة دبى حى البستكية الذى يعتبر من اقدم الاحياء بمدينة دبى و يقع فى الجانب الغربى من الخور. و كان اغلب سكان المنطقة فى الماضى من العائلات الغنية من المواطنين و لكنهم هجروها مع بداية التقدم الاقتصادى و زيادة احتياجاتهم. و شهدت المنطقة تغير اساسى فى التكوين الاجتماعى بعد هجرة المواطنين منها الى المناطق الجديدة و اصبح التكوين الاجتماعى يغلب عليه الوافدين و العمال. و بالطبع لا يملك هؤلاء الوعى باهمية التراث العمرانى الذى يحيط بهم و لا القدرة المادية للحفاظ عليه.

 

حى البستكية القديم بمدينة دبى

     

اضافة الفتحات المستعارة و فتحات التكييف للمبانى التراثية بحى البستكية

 

التدهور الانشائى للمدخل التراثى بحى البستكية



منطقة السوق والعبرة



تعتبر منطقة السوق القديم و العبرة من اهم مناطق دبى القديمة التى شهدت الرواج التجارى و نشأت المدينة. و يظهر فى تلك المنطقة تأثير النشاط التجارى على التراث العمرانى حيث تنتشر اليافطات التجارية التى تشوه المنشآت التراثية و تهدد سلامتها. و يظهر فى تلك المنطقة كذلك تهدم عدد من المبانى القديمة تحت تأثير التغييرات و الاضافات المستمرة لها.

و يظهر بالمنطقة كذلك الاستخدام غير المناسب للمبانى التراثية كمخازن و مستودعات للمواد التجارية. و تظهر الصور مدى التأثير و التدهور الذى حدث للمنطقة.

 



و المثال المقابل يظهر مدى تدهور المبنى التراثى باضافة السلالم و التغطيات و اليافطات و فتحات التكييف مما يهدد سلامته و يعرضه للتلف و التهدم.

و تقوم بلدية دبى فى الوقت الحالى بعمل دراسة شاملة لتطوير منطقة السوق القديم و حى البستكية. و تتعدد مظاهر تأثير التطور العمرانى و النشاط التجارى التى وصلت اخيرا الى اختفاء بعض المبانى التراثية بالاضافة للتأثير المدمر لليافطات على الفراغات العمرانية و المبانى التراثية.




تهدم المبانى التراثية بالسوق القديم



الحدائق التراثية بالعين



تشتهر مدينة العين بوجود عدد كبير من المبانى التراثية مما يشير الى وجود حضارة مستقرة قديمة بالمنطقة. و تشير الدلائل الموجودة بمنطقة الهيلى الى وجود حضارات تعود الى ثلاثة الاف سنة قبل الميلاد.

و تنتشر بمدينة العين القلاع الحصينة التى قاومت فعل الزمن على عكس المساكن التى كانت تصنع من الجريد و الجص و التى لم تحتمل عوامل التعرية و التهدم. و تبذل الجهات المعنية قصارى جهودها للحفاظ على التراث العمرانى بمدينة العين بالحفاظ على العديد من المبانى التراثية. و قد تم تحويل العديد من المناطق التراثية الى حدائق عامة و متنزهات.

و تجدر الاشارة هنا الى مخاطر تحويل المناطق الاثرية و التراثية الى حدائق عامة و متنزهات. فوجود المياه بكثرة حول الاثر يزيد من نسبة الرطوبة فى الحوائط المصنوعة غالبا من الاحجار الطبيعية التى تتأثر بزيادة الرطوبة و المياه حولها. لذا يجب الاتجاه للحدائق الصحراوية كوسيلة لتنمية المناطق حول المبانى الاثرية و الابتعاد بمصادر المياه عن المبانى التراثية.



 
 




حديقة اثار هيلى: تحويل المناطق التراثية الى حدائق عامة



قلعة الفهيدى و متحف دبى



من المشروعات المميزة بمدينة دبى تحويل قلعة الفهيدى الى متحف دبى و التعامل معه بشكل مناسب حيث اضيف العرض المتحفى الجديد تحت الارض بحيث لا يؤثر على الشكل العام للقلعة. و لكن يؤثر على القلعة المحيط العمرانى حيث توجد مناطق انتظار سيارات مجاورة للمبنى و طرق ذات كثافة مرور سيارات عالية تعرض المبنى للاهتزازات و الضغوط الارضية الشديدة. كذلك تتعدد معالجات المبانى الجديدة حول المتحف و الالوان المستخدمة فيها بما يؤثر على الاحساس العام للمبنى.




 


بيت الشيخ سعيد



تم فى اسلوب الحفاظ على بيت الشيخ سعيد تحقيق النجاح فى اعادة الاستخدام المناسب الى استخدام متحفى. و لكن اعادة البناء الكامل للبيت افقدته عبق التاريخ و الماضى.



 



 






تجديد بيت الشيخ سعيد بدبى



اشكال التأثير على التراث العمرانى


من العرض الموجز السابق لبعض امثلة المناطق التراثية بدولة الامارات العربية المتحدة و دراسة حالات بمدينتى دبى و العين يظهر تعدد اشكال التأثيرات على التراث العمرانى حيث منها ما هو سطحى و منها ما هو عميق يؤثر على سلامة المبنى و كفائته. و من اشكال تلك التأثيرات:

· البناء الملاصق للاثر حيث يتم بناء منشآت و مبانى جديدة ملاصق للاثر مما يؤثر على الشكل العام للاثر و على سلامته الانشائية و المعمارية.

· اضافة الوان و دهانات للاثر مما يشوه شكله الخارجى و يغير من الاحساس به و بتاريخه.

· اضافة مبانى و منشآت سواء داخليا او خارجيا للاثر نفسه مما يؤثر على سلامة المبنى بالاضافة الى تغيير شكله الخارجى.

· تغيير شكل الاثر و الواجهات باضافة او اغلاق فتحات به.

· عمل فتحات فى الجدران للمكيفات مما يؤثر على الحوائط و سلامتها الانشائية.

· هدم جزئى او كلى للاثر و تأثر النظام الانشائى للاثر.

· ادخال مرافق مياه و صرف و كهرباء و اضافة اجهزة استقبال تليفزيونى.

· وضع يافطات اعلانية كبيرة و تثبيتها بالمبانى الاثرية مما يؤثر على سلامتها.

· تغييراستخدام البناء من الاستخدام الاصلى الى استخدام آخر غير مناسب يؤثر على سلامة المنشأ.

· الكثافة السكانية و التكدس السكانى و تأثيره على الاثر من حيث الاحتياجات الانسانية و المرافق.

· عمل تعديلات داخلية بالتقسيم او اضافة غرف و خدمات و خلافة.

· وجود تلوث بيئى و بصرى نتيجة البيئة المحيطة بالاثر.

· تأثير السيارات و وسائل المرور و الاهتزازات و الضغوط على التربة.

· التطوير العشوائى او المخطط للمناطق و مخاطرهم فى احداث تغييرات شاملة للمناطق التراثية.

· تأثير البيئة المحيطة فى التقليل من اهمية الاثر نتيجة استخدام طابع معمارى لا يتناسب مع المنطقة او استخدام الوان و تفاصيل معمارية غريبة.


 


مستويات الحفاظ على التراث العمرانى



تتعدد مستويات الحفاظ على التراث العمرانى تبعا لحجم و نوع التراث العمرانى و اهميته. و يمكن تصنيفها كما يلى:

1- الحفاظ على العناصر التراثية: و هو عادة ما يتم من خلال المتاحف للحفاظ على القطع و العناصر الاثرية بعد ترميمها و معالجتها باسلوب علمى يضمن بقائها و سلامتها.

2- الحفاظ على المبنى الواحد: مثل عمليات الترميم و التجديد للمبانى التراثية و تحويلها الى متاحف او مزارات سياحية.

3- الحفاظ على مجموعة من المبانى: فى حالة وجود مجموعة من المبانى التراثية المتجاورة يتم الحفاظ عليها كمجموعة كاملة و تظهر القيمة التراثية للمجموعة اهمية كل وحدة.

4- الحفاظ على ممر تراثى: فى حالة وجود مجموعات من المبانى التراثية تمثل اتصال بين منطقة و اخرى على جانبى ممر او طريق.

5- الحفاظ على منطقة تراثية كاملة: فى حالة وجود منطقة كاملة تمثل التراث العمرانى و يشمل ذلك المبانى و الممرات التراثية.

6- الحفاظ على المستوى الاقليمى: و يتم التخطيط له على مستوى الاقليم او الدولة و يتضمن مستويات الحفاظ السابقة و يتكامل مع الحفاظ على مناطق او ممرات تراثية اخرى.

7- الحفاظ على المستوى الدولى: و يتضمن الحفاظ على نماذج من التراث العمرانى كمثال على التطور الانسانى عامة و عادة ما تشارك فيه الهيئات العالمية مثل اليونسكو.

 


أساليب الحفاظ على التراث العمرانى



مهما يكن سبب المحافظة على الموقع، يجب توفير سبل الحفاظ، ليس على الوحدات المنفردة فحسب، بل على الصفات (المعالم) الاصلية للمنطقة ككل، و هذا امر اساسى.

تختلف اساليب الحفاظ تبعا لنوع و حالة الاثر او التراث العمرانى و تتضمن الاساليب التالية:


  • اعادة البناء REbuild/REproduce
يتضمن هذا الاسلوب اعادة البناء المبانى القديمة على مثل الحالة التى كانت عليها فى الماضى.
  • الترميم REstore
ترميم القطع و المبانى التراثية الى مثل الحالة التى كانت عليه فى الماضى.
  • التجديد REnovate/REinstate
و يتضمن التجديد استعمال مواد حديثة و محاولة توصيل الاثر الى حالة قريبة من حالته وقت انشائه.
  • الاحياء REvitalization
و هو احياء المنطقة التراثية ككل الى ما كانت عليه من قبل باضافة انشطة و مرافق كانت موجودة من قبل.
  • الارتقاء REctify
الارتقاء بالمنطقة عمرانيا و اجتماعيا و اقتصاديا فى سبيل تحسين مستوى باضافة انشطة لم تكن متواجدة من قبل تتناسب مع متطلبات العصر الحديث.
  • اعادة الاستخدام REuse
  • و يتضمن استخدام المبنى فى نفس الغرض الذى انشئ او استخدامه فى استخدام جديد. و هناك ثلاث متغيرات تؤثر على نجاح تغيير الاستخدام للمبانى الحالية الى استخدامات جديدة: 1) مقابلة المبنى لاحتياجات برنامج الاستخدام الجديد. 2) الجدوى الاقتصادية لعمل التغييرات اللازمة مقابل اعادة البناء و 3) التزام المالك باعادة الاستخدام حتى و لو كانت التكلفة اكبر.



 


أساليب المعالجة والحلول



متى ما عرفت اسباب التلف يصبح بالامكان ايجاد الوسائل الكفيلة بترميم الموقع و حمايته. حيث ان مجرد ترميم الاجزاء التالفة مهما يكن واسعا و متكاملا فهو غير كاف، اذ من الضرورى اتخاذ الاجراءات لضمان الحماية فى المستقبل. و لهذه الغاية يجب انشاء مراكز فى الموقع نفسه تملك القوة و التسهيلات الادارية اللازمة لمنع تكرار التداعى و ضمان الرقابة المطلوبة.

يتضح من العرض السابق للتأثيرات المختلفة للتطور العمرانى الحديث و تغير الاحتياجات الانسانية ضرورة توفير الاساليب المناسبة لايقاف تلك التعديات و معالجة ما اتلفه عدم الوعى باهمية و مكانة تلك المناطق التراثية. و من اهم الاجراءات الواجب اتخاذها:

- منع هدم او تغيير المبانى الاثرية و المناطق التراثية الا من خلال مخططات واضحة تراعى قيم تلك المناطق و اهميتها و الاساليب المثلى للتعامل معها.

- ازالة التعديات و المخالفات الانشائية و اليافطات التى تشوه المناطق و المبانى التراثية.

- اختيار مجال مناطق الحفاظ و اسلوب التعامل مع المناطق و المكونات.

- اهمية الاعلام و التوعية باهمية و اساليب المحافظة على التراث.

- ادارة مشروعات الحفاظ باسلوب يضمن استمراريتها و صيانتها بعد انتهاء اعمال الحفاظ.

- وضع القوانين و التشريعات المنظمة للتعامل مع المناطق الاثرية.

- اعادة الاستخدام المناسب كأفضل وسيلة للحفاظ على التراث العمرانى.

- توقع كل مسببات التداعى و اتخاذ الاجراءات المناسبة لايقافها فى الوقت المناسب.

- تحديد مستويات التأثير و اساليب العلاج بما يتيح الحفاظ على التراث العمرانى بصورة مثالية.

و يقترح البحث الرؤية الاستراتيجية المتكاملة التالية كأسلوب لدراسة تأثير التطور العمرانى الحديث و اساليب المعالجة.

 

التراث العمراني والسياحة

تعتبر عناصر التراث المعماري من أهم عناصر الجذب بالنسبة للسياحة العالمية و المحلية على حد السواء. و تعتبر صناعة السياحة من أهم الصناعات العالمية التي تهتم بها الدول كافة لما تحققه من دخل و انتعاش اقتصادي على كافة المستويات.

و كما هو واضح، فان السائح الذى يقوم بزيارة معالم التراث العمرانى لا يقوم "بأقتناء" تلك المعالم و لكن يقوم "بأقتناء" تجربة انسانية نشأت من تلك الزيارة. فكل من معالم التراث العمرانى تقوم بتوليد مجموعة من التجارب و لكن تلك المواقع لا تقوم بتوليد تلك التجارب وحدها و لكن بتوليد معانى لدى السائح عن تلك المناطق.

و من الممكن اعتبار السائح هو "المستخدم للتراث" فى توليد تجارب انسانية و تاريخية و الاحساس بعبق الماضى. و لكن لاستخدام التراث العمرانى تأثير مباشر على التراث نتيجة سوء الاستخدام احيانا او التغيرات المتعمدة للتراث لاستيعاب السياحة كعنصر من عناصر الاستغلال. و من المفيد التعرف على نوعية السائح و رغباته و طريقة استخدامه للتراث العمرانى و التجربة الانسانية التى يمر بها و يستخلصها من زيارة المناطق التراثية و ذلك عن طريق اجراء ابحاث للتعرف على تلك العوامل و كذلك تأثيرها على التراث العمرانى.

 
التراث العمرانى و ممارسة المهنة



من الواضح انه لم يعد من المرادفات الجادة او المقبولة محاولة العودة الى التقاليد السائدة فى عصر ماقبل الصناعة و الذى كان يتطلب الرضوخ الاعمى للطرق المتبعة فى الاجيال السابقة - مهما ظهر ذلك كاسلوب مثالى للبعض. و المدخل الاكثر واقعية و ايجابية هو البحث عن وعى ناقد جديد يمكننا من التعامل مع التاريخ - بالتجديد و ليس بالتجميد.

بعد انتهاء فترة الانبهار بالتطورات التكنولوجية و الطفرة العمرانية السريعة، نتيجة الانفتاح السريع و المفاجئ على العالم، بدأت العديد من دول الخليج و منها دولة الامارات العربية المتحدة فى التمعن و التفكير فى البيئة العمرانية التى انتجتها تلك الفترة و التى افتقدت الطابع المعمارى المميز و الانتماء للمنطقة. فقد تماثلت العديد من المناطق العمرانية و خاصة فى المدن الكبيرة فى دولة الامارات مع المدن الكبيرة فى اماكن اخرى من العالم و تأثير تلك البيئة العمرانية على النواحى الانسانية و الثقافية و الاجتماعية. و بدأ الاهتمام على كافة المستويات بالتراث و احياء القيم التقليدية الاصيلة و الاهتمام بالعمارة التراثية و ما تعكسه من قيم حضارية و تراثية. و بدأت عمليات ترميم بعض المبانى القديمة و تحويلها الى متاحف. كذلك بدأ تشجيع محاولات اظهار طابع معمارى مناسب للمنطقة فى المبانى الحديثة و نجحت بعض المحاولات فى مزج القديم و الحديث و توظيف مواد الانشاء و النهو الحديثة فى الوصول الى طابع معمارى مميز للمنطقة. استمرت فى نفس الوقت محاولات استغلال الامكانات الاقتصادية فى استخدام احدث التطورات التكنولوجية دون النظر لمدى مناسبتها للمنطقة و ظروفها الثقافية و الاجتماعية و البيئية.

تنتشر اليوم ظاهرة هدم المبانى التى انشأت خلال الستينات و السبعينات ليحل محلها مبانى جديدة تظهر محاولات اضفاء طابع معمارى يظهر الانتماء و الهوية لثقافة و تاريخ المنطقة. و تكمن اشكالية الطابع المعمارى فى دولة الامارات العربية المتحدة فى وجود تأثير قوى لعدة عوامل ذات اهداف متباينة. فالاتجاه لاستغلال القوة الاقتصادية المتوفرة بهدف تحقيق اقصى استغلال للتكنولوجيا الحديثة من مواد بناء و نظم انشاء دون التقيد بطابع معمارى معين فى سبيل اللحاق بركب الحضارة العالمية يقابل الاتجاه الى مراعاة النواحى الثقافية و الاجتماعية الذى يدعو الى التضحية ببعض الجوانب الاقتصادية و التكنولوجية فى سبيل تحقيق طابع معمارى ينتمى للمنطقة و يوفر لسكانها الشعور بالانتماء و الاستمرارية التاريخية.

و تتبقى اشكالية التعامل مع المشروعات الجديدة فى المناطق التراثية من الاسئلة التى لا نجد اجابات سهلة عليها:
هل ينبغى للابنية الجديدة فى الاحياء القديمة ان تمتلك اشكالا و نماذج تاريخية؟ ام انه من الاجدر اظهارها بطابع مرحلتها (عصرها)؟
و تباينت الاراء حول اهمية وجود طابع معمارى مميز للعمارة بدولة الامارات العربية المتحدة فبين مؤيد يؤكد أهمية وجود طابع معمارى يعكس القيم الثقافية و الاجتماعية و للمنطقة و المحافظة على التراث المعمارى القديم و معارض يعتبر هذا الاتجاه تقيد بمخلفات الماضى و يؤكد على اهمية مسايرة التطورات التكنولوجية الحديثة. ولذلك يظهر الطابع المعمارى بدولة الامارات العربية المتحدة كأشكالية يصعب التعامل معها. و بالرغم من تعدد الاراء و الاتجاهات يبقى الطابع المعمارى من المظاهر التى تؤثر فى تطور و شخصية الشعوب و التى يجب ان تنال القسط المناسب من المناقشة و الامعان على مختلف المستويات السياسية و الثقافية و الشعبية. فالعمارة هى نتاج تفاعل العديد من العوامل الاقتصادية و الثقافية و الاجتماعية و السياسية و الانسانية و هى لا تمثل فقط الواقع الحالى للمجتمعات و الشعوب و لكنها تؤثر فى توجهات المجتمع المستقبلية حيث انها البيئة التى تتفاعل فيها كافة الانشطة الانسانية المختلفة.




 


الحفاظ على التراث فى عصر المعلومات



ان ما نمضى اليه ليس مجرد زيادة فى الاستخدام الالكترونى بالنسبة للتكنولوجيات الصناعية، و ليس مجرد المزيد من التقدم فى تكنولوجيات الكمبيوتر و عملية تخزين و تصنيف و معالجة البيانات و المعلومات، و ليس مجرد تقدم فى تكنولوجيات الاتصال اعتمادا على الاقمار الصناعية و كابلات الالياف الزجاجية ..... اننا نمضى الى مجتمع بشرى يختلف نوعيا عن المجتمع الذى ساد فى عصر الصناعة."

تؤكد جميع الشواهد و المتغيرات حولنا ان الانسانية تمضى الى حقبة جديدة مختلفة تماما عما سبقها من حقبات تاريخية. و هى ليست - كما يؤكد المتخصصون - امتدادا لعصر الصناعة او مجرد استخدام المزيد من تكنولوجيا الاتصالات او الكمبيوتر ولكن الحقبة القادمة تحمل معها تغيرات اساسية فى اساليب الحياة و النظم و القيم الانسانية. و ما يهمنا فى هذا المجال هو متابعة هذه التحولات و رصد التغيرات التى تؤثر علينا سلبا او ايجابا فى مختلف المجالات.

من اهم مظاهر التغير فى عصر المعلومات هو تغير مصادر المعلومات التى يعتمد عليها الانسان. فبدلا من المصادر التقليدية المطبوعة او المسموعة او المرئية سوف يعتمد الانسان على مصادر المعلومات الاليكترونية التى تتميز بالتفاعل الشديد و امكانية تشكيل و رؤية و استخدام المعلومات المتوفرة عن طريق تلك الشبكات بطرق لا نهائية. ففى الماضى كانت المعلومات جامدة و مرتبة بطرق يصعب تعديلها او تحويرها و لكن بفضل نظم المعلومات المتقدمة اصبحت المعلومات بمثابة اجزاء يمكن تجميعها بطرق مختلفة لتعطى صور متغيرة و مفاهيم مختلفة تبعا للحاجة. و يتم كل ذلك بسرعة كبيرة لم تكن متوفرة قبل ظهور تلك النظم. لذلك لن يكون دور نظم المعلومات العمل كمخزن للمعلومات فقط و لكنها سوف تكون بمثابة مولد للمعلومات بناء على ما هو متوفر من معلومات و ما هو مطلوب من اساليب تشكيل و استخدام. مما اظهر مصطلح مثل "صناعة المعلومات" للتعبير عن دور تلك النظم فى عصر المعلومات.

و نحن نحافظ على التراث الانسانى كتسجيل لمعلومات من الماضى و كيفية حياة الانسان. و من الضرورى اعادة النظر فى كيفية استغلال عصر المعلومات فى الحفاظ على التراث و من الاقتراحات المفيدة فى هذا المجال:

1- استخدام نظم المعلومات Information Systems فى تسجيل و توثيق المبانى و المناطق الاثرية.

2- استخدام نظم التصميم باستخدام الحاسب الالى CADD and Virtual Reality فى تقرير اساليب الحفاظ و التعامل مع المناطق الاثرية.
3- استخدام شبكات المعلومات فى تبادل المعلومات عالميا و محليا عن التراث العمرانى و اساليب المحافظة عليها و التعامل معها. 




المبنى التراثى قبل وبعد ازالة التعديات

باستخدام نظم التصميم باستخدام الحاسب الالى فى تحديد اساليب الحفاظ على التراث العمرانى



التوصيات والاقتراحات



المناطق التراثية هى مناطق حياة مستمرة تتأثر بالتغيرات الانسانية المحيطة بها على مر التاريخ. و من هذه الرؤية يجب توفير الحماية المناسبة لتلك المناطق من تأثير التطور العمرانى الحديث عليها و الحفاظ عليها لأجيال المستقبل. و فى هذا المجال نورد التوصيات التالية:

· انشاء جهات تفتيشية لها صلاحيات مناسبة بالمناطق التراثية تتولى مهمة ايقاف تدهور تلك المناطق و ازالة التعديات عليها قبل ان تؤثر عليها بصورة دائمة.

· تحديد نطاق الحماية للمناطق التراثية و النظم و القوانين و التشريعات المنظمة للتعامل مع المناطق الاثرية و وضع اسس لتصميم المناطق و المبانى المحيطة بالاثر عمرانيا و معماريا.

· وضع نظام متكامل للحفاظ و ليس قرارات منفردة. فالمحافظة على المناطق التراثية تتعطل بسبب تضارب قرارات الجهات الادارية و تعدد جهات المسئولية و التعارض القانونى بين السلطات العامة المسئولة.

· تحديد اساليب استخدام المواد الانشائية و مواد النهو و الالوان فى المناطق الاثرية بما يحافظ على تاريخها و شخصيتها.

· القضاء على مصادر التلوث البيئى التى تسبب تآكل مواد البناء و التقليل من كثافة مرور السيارات فى المناطق التراثية او المناطق المجاورة لها. و بالنسبة للسيارات يجب توفير مناطق انتظار سيارات بعيدة عن المناطق الاثرية و الاتجاه لممرات المشاه منعا للتلوث و الاهتزازات و الحوادث فى المناطق التراثية.

· الاتجاه للحدائق الصحراوية بدلا من الحدائق التقليدية لتقليل مخاطر الرطوبة و المياه و زيادة منسوب المياه الجوفية و هذا الاتجاه يناسب ايضا البيئة الطبيعية بمنطقة الخليج العربى.

· اعادة استخدام المبانى و المناطق التراثية باسلوب يساعد على الحفاظ عليها و الابتعاد عن الاساليب التى تتسبب فى تدهور التراث العمرانى.

· التوعية بالتراث و اهميته واهمية الحفاظ عليه من خلال الاعلام و تنمية الوعى الجماهيرى باهمية التراث و المناطق التراثية و المحافظة عليها بدأ من المناهج الدراسية للمدارس.

· دراسة الاوضاع الاجتماعية بالمناطق الاثرية و تأثيرها على المناطق التراثية و ايجاد حلول انسانية مناسبة للتعامل مع تلك الاوضاع لما لها من تأثير قوى و مباشر على المناطق التراثية.

· استخدام نظم المعلومات الحديثة فى تسجيل و توثيق التراث العمرانى و تبادل المعلومات حول اساليب الحفاظ و التجارب العالمية فى هذا المجال.

· تأمين المناطق التراثية ضد الكوارث الطبيعية كلما امكن ذلك و على سبيل المثال التأمين ضد اخطار الحريق و الامطار و الفيضانات و زيادة منسوب المياه الجوفية و خلافة.

· تشجيع الحفاظ على التراث العمرانى فى ممارسة المهنة من خلال المسابقات المعمارية و رصد جوائز للمشروعات التى تتبع اساليب ناجحة فى الحفاظ سواء لمناطق تراثية او لمشروعات جديدة.

· وضع ضوابط للاعلانات التجارية و اساليب اضائتها حيث "ان جمال و روعة المنجزات التاريخية الحضرية قد دمرت من جراء تداخل هذه العناصر الغريبة و لا يمكن استعمال النصب و البنايات التاريخية و حتى تلك الاقل شهرة مجرد دعائم للابتكارات الدعائية المختلفة بدون فقدان (مساس) جماليته و روعته."

· للسياحة الخارجية و الداخلية اهمية ثقافية و اقتصادية لا يمكن اغفالها فى التأثير على مناطق التراث العمرانى سواء تأثيرات سلبية ام ايجابية. لذا يجب دراسة الانشطة السياحية و متطلباتها و فى نفس الوقت تجنب تخريب هيبة و جمالية الموقع بتحويل المناطق التراثية الى "حدائق للالعاب".

· انشاء جمعيات اهلية للحفاظ على التراث العمرانى تكون مهمتها توعية الافراد باهمية التراث العمرانى و توفير مصادر تمويل مشروعات الحفاظ.
*************************