Friday, March 9, 2012

العمران في الكويت: قراءة في أوراق المعماري سابا جورج شبر


 بسم الله الرحمن الرحيم
العمران في الكويت: قراءة في أوراق المعماري سابا جورج شبر
د. ياسر عثمان محرم محجوب
قسم العمارة – كلية الهندسة والبترول – جامعة الكويت
(مقالة نشرت في مجلة عمار العدد 76 – نوفمبر 2003)

تمر الكويت بمرحلة دقيقة في تطورها العمراني بعد مرور خمسون عاما على وضع المخطط الهيكلي الأول لها على يد المكتب البريطاني مونبريو و سبينسلى وماكفارلين في عام 1952 والذي تم من خلاله وضع اللبنة الأساسية لما تلاه من أعمال تنفيذية ودراسات ومخططات أخرى في السنوات اللاحقة أدت في مجموعها إلى ما نراه اليوم حولنا في مدينة الكويت من ايجابيات وسلبيات في البيئة العمرانية. ومن المفيد دراسة تأثير التطور العمراني الذي مرت به الكويت خلال الخمسون عاما الماضية على البيئة العمرانية في الكويت اليوم للتعلم والاستفادة منه وخاصة أن الكويت بصدد وضع مخطط هيكلي جديد سوف يؤثر على مستقبلها خلال الخمسون عاما القادمة على الأقل، وكذلك تعطش الدولة للنهوض والتقدم لتعويض ما فاتها نتيجة معوقات الأوضاع الإقليمية خلال العقد الماضي والتي حالت دون لحاق الكويت بركب التطور العمراني الذي شهدته اغلب دول الخليج العربي بعد أن كانت الرائدة والسباقة في هذا المجال لسنوات طويلة. ومن خلال هذه المراجعة يمكننا إلقاء الضوء على بعض ايجابيات وسلبيات التطور العمراني خلال الخمسون سنة الماضية وتوجيه الجهود المستقبلية نحو توفير بيئة عمرانية أفضل تستفيد من دروس الماضي وتتلافى تكرار أخطائه.


شكل رقم (1.) المخطط الهيكلي الأول لمدينة الكويت الذي وضعه المكتب البريطاني مونبريو و سبينسلى وماكفارلين في عام 1952

ويعتبر ما مرت به الكويت "معجزة عمرانية" غير مسبوقة في التاريخ تم خلالها تحويل البيئة العمرانية في الكويت في فترة زمنية قصيرة من بيئة عمرانية تقليدية (محلية – تراثية) تتمثل في مساكن ذات أفنية (أحواش) داخلية مبنية من الأحجار البحرية والطين والأخشاب المستوردة لعمل الأسقف الباسجيل ومتلاصقة على جانبي طرق ضيقة ومتعرجة والمحاطة بسور ذو بوابات مبنى من الطين لحمايتها من الاعتداءات الخارجية إلى بيئة عمرانية حديثة مخططة ومنفذة طبقا لأحدث نظريات تخطيط المدن في ذلك الوقت بحيث أشتمل على تصورات لتنفيذ مجاورات (ضواحي) سكنية متكاملة، تتبع أحدث نظم تخطيط المجاورات السكنية العالمية، خارج السور ينتقل إليها الكويتيين بحيث يتم إخلاء المدينة القديمة داخل السور لوضع الأساس لمنطقة وسط مدينة حديثة تحتوى على مباني عامة حكومية وإدارية ومناطق ترفيهية وخدمات عامة. وقد أشتمل المخطط الهيكلي الأول على تصور لإعادة تنظيم المدينة القديمة من خلال شق شوارع حديثة للسيارات مكان المساكن القديمة وهدم السور لإقامة منطقة خضراء عازلة بين المناطق السكنية ومنطقة وسط المدينة. وتعتبر السرعة التي تم بها تنفيذ ذلك المخطط من أسرع ما تم تنفيذه من مخططات هيكلية على مستوى العالم نظرا للجرأة التي تميزت بها إدارة الدولة في اتخاذ القرارات وتوافر الإمكانيات المادية اللازمة لتنفيذ تلك المشروعات الكبرى.

شكل رقم (2.) البيئة العمرانية في الكويت القديمة قبل عام 1952

شكل رقم (3.) البيئة العمرانية في الكويت الحديثة بعد عام 1952

ولعل من ابرز من كتب عن تلك الحقبة المعماري د. سابا جورج شبر من خلال كتاباته المتعددة والمتعمقة والتفصيلية لما حدث في تلك الفترة الهامة من التطور العمراني في الكويت. ومن الواجب التوقف هنا لتحية هذا المعماري الفذ الذي توفى فجأة في الرابع من يوليو عام 1968 نتيجة أزمة قلبية عن عمر يناهز الخمسة وأربعون عاما والذي خلف ورائه العديد من الكتب والأوراق العلمية والدراسات في مجالات العمارة وتخطيط المدن وخاصة المدن العربية. فقد ولد شبر في مدينة القدس في عام 1923 وحصل على بكالوريوس الهندسة المدنية من الجامعة الأمريكية في بيروت عام 1944 ثم بكالوريوس الهندسة المعمارية من جامعة القاهرة عام 1946 ثم ماجستير العمارة وماجستير تخطيط المدن من جامعة ماساتشوستس بالولايات المتحدة الأمريكية عام 1947 وعام 1948 وأخيرا على دكتوراه تخطيط المدن والتخطيط الاقليمى من جامعة كورنيل بالولايات المتحدة الأمريكية عام 1956. وبالإضافة إلى العديد من مشاركاته في الجمعيات والنقابات الدولية فقد عمل د. شبر لمدة سبعة سنوات في الولايات المتحدة الأمريكية في مجال العمارة وتخطيط المدن والبحوث الإسكانية والتنمية الحضرية بالإضافة إلى عمله كأستاذ جامعي في اثنتين من الجامعات الأمريكية المرموقة. وقد عمل د. شبر خلال الأعوام من 1956 إلى 1959 كمستشار في مجال تخطيط المدن لكل من مدن بيروت ودمشق والعقبة ومدن المملكة العربية السعودية. وقد نال د. شبر العديد من الجوائز العالمية عن كتبه ومقالاته التي وصلت إلى 1000 مقالة منشورة بالعربية والإنجليزية فقد لقب د. شبر "السيد/ المخطط العربي". وقد تضمنت كتابات العديد من الرسومات اليدوية الخاصة به والتي برع في التعبير بها عن الأفكار والقضايا التي طرحها في كتاباته.

شكل رقم (4.) المعماري الفذ د. سابا جورج شبر اليدوية أثناء عمله بالكويت خلال الفترة من 1960 إلى 1964

ومن أهم الأعمال التي قام بها د. شبر هو عمله في الفترة من 1960 وحتى عام 1964 كمستشار في مجالي العمارة وتخطيط المدن لحكومة الكويت، بداية من خلال عمله في إدارة الأشغال العامة ثم مجلس التطوير وبلدية الكويت. ومن خلال كتاباته عن تلك الفترة أوضح د. شبر "التحول المفاجئ" الذي شهدته الكويت خلال العقد الأول من تطورها العمراني خلال الفترة من 1952 إلى 1962. فقد وضح له منذ اليوم الأول لوصوله الكويت أن ما يجرى في الكويت ليس حدثا عاديا وإنما هو "ظاهرة عمرانية" تحدث "بسرعة الضوء" قلما يمكن أن تتكرر في تاريخ تخطيط المدن. وقد شرع د. شبر منذ اليوم الأول في جمع كل المستندات والأوراق والخرائط والصور اللازمة لتوثيق تلك الفترة الهامة في "ولادة" وتطور الكويت الحديثة. وقد قام د. شبر بهذا العمل الكبير واضعا في مقدمة أهدافه توفير مرجع للدارسين والمسئولين الكويتيين في المستقبل عن الأحداث التي صاحبت نشأة وتطور مدينتهم.  وقد كان من مدعاة الفخر لدى د. شبر انه شهد تلك الظاهرة الفريدة عمرانيا وإنسانيا من خلال بناء المساكن والمستشفيات والمدارس والمراكز الاجتماعية والعديد من المباني الأخرى اللازمة لتأسيس مجتمع حديث والتي تحدث على ارض عربية وبأموال عربية. وقد لفت د. شبر النظر إلى أن سرعة البناء والتطوير لم تكن خالية من السلبيات والمشاكل بل انه تنبأ بالعديد من المشاكل العمرانية التي تعانى منها الكويت اليوم.

شكل رقم (5.)الكويت الحديثة تحت الإنشاء عام 1964

تنتمي الكويت الحديثة إلى مجموعة خاصة من المدن المخططة حديثا مثل برازيليا وشنديغاره . وخلافا للمدن العربية القديمة الأخرى مثل القاهرة ودمشق وبغداد والقدس وتونس التي احتوت على العديد من المناطق والمباني العامة التاريخية والتي شكلت عاملا هاما في وتطورها عبر عصور تاريخية متعددة فان الكويت لم تحتوى سوى على عدد محدود من المباني العامة التاريخية حيث كانت اغلب مبانيها مساكن مبنية من الطين والأحجار البحرية مما شجع المخطط الأول للكويت على إزالتها بالكامل وإحلال مناطق ومباني جديدة محلها. ويشير د. شبر إلى سرعة البناء والتعمير التي خلفت ورائها مساحات فضاء شاسعة غير مستغلة نتيجة الرغبة في الامتداد العمراني بسرعة خارج السور القديم. وتمثل هذه المساحات مشكلة عمرانية قائمة حتى اليوم حيث أنها تمنع التواصل الحضري للمدينة وتباعد بين مبانيها ومناطقها العمرانية وهى بالتالي لا تشجع على الاعتماد على السير من منطقة إلى أخرى لوجود مساحات واسعة غير مأهولة بينها. وقبل أن يتم تعمير المناطق القريبة من وسط المدينة أولا بدأ العمل في بناء المناطق البعيدة والمتطرفة. ففي الوقت الذي كانت تعتبر فيه الجابرية وبيان من المناطق المتطرفة خارج نطاق المدينة بدأ تنفيذ مجاورة سكنية تحتوى على 2300 قطعة بالرميثية ومستشفى تضم 500 سرير بالجابرية.

وقد أدت سرعة انتشار المدينة خلال الاثنا عشر عاما الأولى إلى تحويلها من قرية صغيرة إلى مدينة مترامية الأطراف إلى الاعتماد على السيارة كوسيلة انتقال أساسية بين المجاورات السكنية وأماكن العمل في وسط المدينة. وقد ساعد على هذا التحول توافر طرق السيارات الحديثة الواسعة التي وفرت من خلال مجموعتين من الطرق الأولى إشعاعية تنبثق من المدينة القديمة والثانية دائرية موازية لشارع السور القديم، والتي حالت في نفس الوقت دون الاعتماد على السير كوسيلة انتقال بين المجاورات السكنية ومع وسط المدينة. ومع توافر السيارات المكيفة الحديثة وتباعد المسافات بين مناطق المدينة والمناخ الحار جدا صيفا تحول نمط الحياة إلى الاعتماد التام على السيارة كوسيلة انتقال أساسية بين مكان العمل والمسكن وبين المناطق السكنية وحتى للتسوق والترفيه. وأصبح من غير الممكن الاعتماد على السير كوسيلة انتقال أساسية للإنسان ولم يكن من الممكن الاعتماد على شبكة المواصلات العامة لعدم توافرها بالشكل الكافي لخدمة السكان بالإضافة إلى توافر الامكانات المادية لشراء السيارات الحديثة المكيفة التي توفر راحة ورفاهية أكثر. واليوم نجد أن السيارة أصبحت هي الوسيلة الأساسية للتنقل لجميع الكويتيين بالإضافة إلى نسبة كبيرة من المقيمين، ومع تزايد عدد السكان وعدد السيارات بدأ الحديث عن الاختناقات المرورية في ساعات الذروة وفى مناطق التسوق والترفيه بالإضافة إلى التلوث البصري الذي تحدثه داخل المناطق السكنية نتيجة المظلات متعددة الأشكال والألوان التي تغطى الواجهات المعمارية للمباني. ويعتبر احتلال السيارات لأرصفة المشاة من اخطر المشاكل التي تعانى منها المناطق السكنية حيث أنها لا توفر مكان سير آمن للمشاة الذين يضطرون للسير في الشارع مما يشكل خطرا على أمنهم وصحتهم بالإضافة إلى عدم توفير فرص اللقاء الاجتماعي لسكان المنطقة الواحدة مما يساعد على تعارفهم وتنمية الحس الاجتماعي لديهم. وكما أشار د. شبر فان "فن المشي قد فقد!”.

شكل رقم (6.) ظهور السيارة كوسيلة انتقال أساسية منذ الخمسينيات

شكل رقم (7.) البيئة العمرانية داخل المناطق السكنية في الكويت عام 2003 ويظهر فيها احتلال السيارات لأرصفة المشاة والتلوث البصري نتيجة مظلات السيارات متعددة الأشكال والألوان

وقد اجتذبت حركة البناء في تلك الفترة الآلاف من المهندسين والمعماريين والمساحين والاقتصاديين ومختلف المهن والحرف للمجيء للعمل في الكويت لما وفرته من فرص عمل ودخل مرتفع حتى زاد عدد العاملين في تعمير الكويت عن عدد أفراد بعض الجيش في الدول العربية الأخرى. احتاجت تلك القوة البشرية إلى بناء مساكن وخدمات لها ولأسرها في مناطق بعيدة عن المجاورات السكنية النموذجية التي خصصت للكويتيين فقط. وقد تركز الوافدين والمقيمين في مناطق السالمية وحولى والفروانية لطبقة الموظفين ذات الدخل المتوسط وظهرت فيما بعد مناطق خيطان وبنيد القار والمرقاب كمناطق سكن للعمالة ذات الدخل المنخفض. وقد اجتذب وسط المدينة، الذي خلى من الكويتيين بعد انتقالهم للسكن في الضواحي، الوافدين للسكن فيه نظرا لقربه من أماكن العمل ومصادر الرزق. وقد أشار د. شبر إلى تأثير "كرة الثلج المتدحرجة" تلك على مستقبل البيئة العمرانية في الكويت وهو بالفعل ما نشاهده اليوم من تدنى مستوي البيئة العمرانية والأحوال المعيشية في العديد من مناطق سكن العمالة الوافدة وخاصة خيطان وبنيد القار والمرقاب بالإضافة إلى تدهور البيئة العمرانية في مناطق السالمية وحولي السكنية. ومع تزايد تكاليف المعيشة عمد العديد من الكويتيين إلى استثمار جزء من مساكنهم الخاصة بتأجيرها إلى الوافدين في مناطق مثل الجابرية وسلوى والرميثية وغيرها مما غير في التركيبة الاجتماعية لتلك المناطق السكنية. كما عمد البعض منهم إلى التحايل على قوانين البناء عن طريق تصميم مساكنهم بحيث تسمح بالتقسيم إلى وحدات استثمارية. وهذه جميعها مؤشرات إلى الحاجة إلى رؤية جديدة لأنماط السكن في الكويت بحيث تبتعد عن النمط التقليدي للسكن أو "الفيلا" الذي انتشر في المراحل الأولى من تعمير الكويت والذي تلائم مع الأوضاع المعيشية لتلك الفترة بعد الانتقال من المسكن التقليدي ذو الفناء وتوافر الامكانات المادية وقلة عدد السكان.


شكل رقم (8.) البيئة العمرانية في مناطق السكن الاستثماري المؤجرة للوافدين

وقد أدى هذا الانفصال بين مناطق سكن المواطنين والمقيمين ومناطق العمل في وسط المدينة إلى ظهور المدينة بعدة وجوه تختلف عن بعضها البعض. ففي حين يتوفر الهدوء والنظافة ومستوى المعيشة المرتفع في المجاورات السكنية إلا أنها تخلو من فرص العمل ومراكز التسوق والترفيه بالإضافة إلى احتلال السيارات لأرصفتها وتلويثها بالمظلات العشوائية متعددة الأشكال والألوان، وفى حين تتوافر مناطق الترفيه والعمل والتسوق في مناطق سكن الوافدين إلا أنها تعانى من تدهور البيئة العمرانية والمرافق بها. أما منطقة وسط المدينة فقط أصبحت مركز للعمل فقط لا يسكنها الكويتيين إلا في مناطق معدودة أهمها مجمع الصوابر السكنى الحكومي وهو التجربة الوحيدة للإسكان الحكومي الرأسي الذي لم يلق نجاحا كبيرا لدى المواطنين نظرا لعدم تعودهم على هذا النمط من الإسكان بالإضافة إلى مشاكله التصميمية وعدم توافر خدماته. ولولا بعض الأسواق التجارية الشعبية ومنطقة أسواق المباركية التي تجتذب الكويتيين مساءا إلى وسط المدينة لما وجدنا كويتيين في "مدينتهم القديمة" بعد زوال الشمس حيث تجتذب الأسواق الحديثة المتناثرة على شاطئ الخليج الغالبية منهم للتسوق والترفيه.

شكل رقم (9.) البيئة العمرانية داخل وسط المدينة (عمارات الوافدين)


شكل رقم (10.) الأسواق الشعبية والتقليدية في وسط المدينة – أسواق المباركية

شكل رقم (11.) أسواق الحرف التقليدية في وسط المدينة – سوق الزل والبشوت

شكل رقم (12.) الاسواق التجارية - الفنار

ومن الاولويات التي يجب مراعاتها عند وضع المخططات الهيكلية المستقبلية لمدينة الكويت وضع حلول لمعالجة أوضاع العمالة الوافدة والبيئة العمرانية المتدهورة التي يعيشون فيها والتي أدت إلى ظهور مؤشرات اجتماعية خطيرة منها تزايد العنف والجريمة في تلك المناطق نتيجة الأوضاع المعيشية السيئة حتى وصل الأمر إلى مواجهات مع السلطات الأمنية في عام 1999 في منطقة خيطان التي يقطنها أكثر من 60000 عامل مصري اغلبهم من العزاب الذين يسكن كل خمسة أو ستة منهم في غرفة واحدة في كثير من الأحيان. وكذلك الحال في مناطق بنيد القار والمرقاب التي تسكنها أغلبية آسيوية تنتشر فيها مظاهر اجتماعية وثقافية متنافرة مع ثقافة المجتمع الكويتي. أما منطقة وسط المدينة فإنها تتطلب رؤية عمرانية خاصة توفر لها عناصر الجذب والطابع المعماري والحضري الخاص بما يشجع الكويتيين على العودة إليها بصفة دائمة للسكن والعمل والثقافة والترفيه. يجب أولا التعامل مع المناطق الفضاء الشاسعة بها بحيث لا تسمح بتقسيم وسط المدينة إلى جزر متباعدة والتفكير في أنماط سكنية جديدة تناسب فئات الشباب وحديثي الزواج من الكويتيين وكذلك إعادة إحياء بعض مناطقها التاريخية وإنشاء متاحف مفتوحة ومراكز ثقافية وترفيهية متنوعة تجذب إليها الكويتيين مساءا بدلا من هجرتهم للأسواق الحديثة البعيدة عن وسط المدينة.

شكل رقم (13.) الكويت القديمة: مناطق ذات امكانات تطوير هائلة في وسط مدينة الكويت

وفى حين يستغرق بناء المدن سنوات وعقود وقرون، استغرق بناء مدينة الكويت الحديثة اقل من خمسة عشر عاما في منطقة من أحر مناطق العالم المأهولة بالسكان مما ساعد على صعوبة العمل ومشقته. ومن أهم التغييرات التي أحدثها التطور العمراني السريع هو التغير في "قيمة الأرض" فبعد أن كانت الأرض صحراوية ممتدة لا قيمة لها ولا صاحب أصبحت الأرض مقسمة إلى قطع محددة المساحات داخل أسوار تحددها. وما زالت لدى الكويتيين الرغبة في زيادة أراضيهم عن طريق ضم أي ارض غير مملوكة لأفراد محددين إلى أراضيهم حيث نجد أن أصحاب الأراضي التي تجاور قطع أراضى فضاء قد عملوا على ضمها إلى أراضيهم وتنسيقها مما يمثل اعتداء على الأملاك العامة للدولة التي هي من حق المجتمع ككل. ومع تزايد هذه الممارسات أصبحت حدود الأراضي خاصة الواقعة منها على أطراف المناطق السكنية أو التي تقع بجوار أراضى فضاء تخضع لأسبقية الضم أو توافر الامكانات. وقد ساعد أسلوب تخطيط المناطق السكنية كقطع أراضى متساوية منتظمة إلى ظهور أراضى فضاء "بواقي أو مخلفات" لعملية التخطيط الغير دقيقة شجعت على ظهور هذا النمط من التعامل مع الاراضى الفضاء.  ومع وجود شبه استحالة لضبط تلك المخالفات عن طريق الدولة عمليا فان انتشارها وتزايدها حتى في مناطق السكن الحكومي سوف يؤدى في المستقبل إلى العديد من المشاكل الناتجة عن المطالبة بحقوق المجتمع فيما أصبح حق مكتسب لمن يسكن بجوار تلك الاراضى. وفى كثير من الأحيان تستعمل الاراضى الفضاء التي تقع بجوار المساكن إلى مناطق تخزين للسيارات أو الزوارق البحرية أو إلقاء مخلفات البناء والمهملات، مما يؤثر على التناسق الحضري للمناطق السكنية.

يقول د. شبر: "إن القرن ونصف الذي استغرقته مدن أوروبا وأمريكا في الوصول إليه تحت تأثير الثورة الصناعية استغرق اقل من عقد واحد للوصول اليه في الكويت تحت تأثير البترول وهو ما أدى إلى "تحول" مفاجئ للمدينة والثقافة الكويتية." وقد ساعد على هذا التحول السريع استخدام مواد وطرق إنشاء حديثة مكنت من إنشاء مباني حديثة متعددة الطوابق ويتوفر فيها نظم التكييف والإضاءة والاتصالات وهو ما أدى إلى عدم وضوح أخطاؤها في التعامل مع البيئة المحيطة واستهلاكها لكميات هائلة من الطاقة. ويضيف د. شبر: "يجب في المستقبل أن يتم الاهتمام بصفة خاصة بوضع العناصر المعمارية بالنسبة لبعضها البعض وبالنسبة للفراغات المحيطة بها وبالنسبة للفراغات التي يخلقها. :إن هناك اهتمام زائد عن اللازم بترك لمسافات فاصلة بين المباني وهو ما اخل بقواعد التصميم الحضري التي تعتمد على العلاقات الفراغية والمسافة والمقياس والنسب والتضاد."

ويؤكد د. شبر على أهمية معالجة الأخطاء التي وقعت أثناء تنفيذ المخطط الأول للكويت والتي تتضمن في رأيه ثلاثة مجموعات أساسية وهى:
- الاجتماعية: المدينة هي مكان "اجتماع" الناس وعندما تتباعد أجزائها عن بعضها البعض فان الهدف الاساسى منها يكون قد انتفى. فالإنسان اجتماعي بطبيعته والتقارب الفراغي يشجع على التعبير عن اجتماعيته. إن التوزيع العمراني في الكويت شجع على التباعد الاجتماعي بدلا من التفاعل الاجتماعي.
- الجمالية: يجب الاعتناء بشكل خاص بالفراغات في المدينة، فالمباني في الكويت تم وضعها في مجموعات متباعدة مما اضعف العناصر الأساسية التي يعتمد عليها التصميم الحضري. فالتباعد الفراغي سمح بظهور مباني متناثرة ربما تكون متميزة في تصميم كل منها ولكنها لم تخلق بيئة عمرانية متكاملة.
- الاقتصادية: إن الانتشار الافقى للمدينة مكلف من ناحية الطرق وتوصيل الخدمات والتنقل بالإضافة إلى الاستهلاك السريع للأرض، وهى المحدودة أصلا في الكويت.

وقد خلص د. شبر إلى أن الذي حدث في الكويت حتى عام 1964 كان مبهرا وان الجوانب الايجابية طغت على الجوانب السلبية في العديد من النواحي المعمارية والتخطيطية. وبالرغم من وجود بعض التداعيات والتأثيرات الطويلة المدى لتلك السلبيات إلا أن المرجو أن يستفيد القائمون على تخطيط كويت المستقبل من دروس الماضي والتعلم منها. ويضيف د. شبر: "لقد تم تخطيط كويت المستقبل ولكن تبقى حقيقة هامة وهى أن كويت الماضي والكويتيين لم يتم أخذهم في الاعتبار ومشاكلهم لم تؤخذ بجدية عند استخدام القلم والمسطرة والأدوات الهندسية لوضع مخطط كويت المستقبل. هكذا كان قدر الكويت الذي يجب علينا تقبله وان نعمل على إصلاحه عبر الزمن على ألا نسمح بتكراره في المستقبل."
**********************