Friday, March 9, 2012

لغة العمارة: تطبيق نظرية الإشارة و الرمز على العمارة

لغة العمارة: تطبيق نظرية الإشارة و الرمز على العمارة 

د. ياسر محجوب

قراءة العمارة كالكتاب المفتوح: لغة الرموز والأشياء
تتكون الأعمال المعمارية من مجموعة من الأشكال والحجوم والمسطحات البنائية التي تكون معا بيئة عمرانية ذات وظيفة محددة يستفيد منها الإنسان ويعيش فيها. فالإنسان الحضري يعيش أكثر من 80% من وقته داخل مباني معمارية سواء للسكن أو للعمل أو للترفيه أو للخدمات الأخرى من مدارس ومطارات ومستشفيات وأسواق تجارية ومتاحف ونوادي رياضية وخلافة. ومن الضروري أن يعرف الإنسان كيف يستطيع قراءة المكان الذي يتواجد فيه ويتفاعل معه. فكما قال الحكماء: "الألفاظ تقع في السمع، فكلما اختلفت كانت أحلى، والمعاني تقع في النفس، فكلما اتفقت كانت أحلى."
ومن أهم صفات الأشكال المعمارية هو كيفية عملها كرموز أو إشارات لوظائف أو دلالات ثقافية أو سياسية أو أي معاني أخرى يستدل عليها الإنسان المتعامل مع تلك الأشكال. وتساعد تلك الرموز الإنسان على فهم المكان والتعامل معه بالشكل المناسب ثقافيا واجتماعيا تبعا لما تمليه عليه ثقافته وتعليمه. فالرموز المتوفرة داخل أحد المباني توجه الإنسان للتعامل معه كمبنى ديني أو مستشفى أو متحف تبعا لمعاني الإشارات الموجودة داخله. وهذه القراءة قد تكون صحيحة وكافية بالنسبة للإنسان المتعامل مع المبنى ولكن هناك قراءات أخرى أعمق تحمل نفس الأهمية للمجتمع والثقافة المجتمعية ككل، وهو ما سوف تركز عليه الدراسة التالية.
العمارة هي "لغة مرئية" تتضمن جميع عناصر ووسائل الاتصال الأخرى التي يستخدمها الإنسان. فالإنسان يعتمد على حواسه (البصر والسمع والشم واللمس) في تلقى عدد كبير من الرسائل من خلال الرموز المتوفرة في البيئة المحيطة والتي توجهه للتفاعل معها بصورة معينة. فتوافر الرموز اللازمة للتعرف على المكان كمطعم يوجه تصرفات الإنسان للتعامل معه على هذا الأساس. والإنسان يتعلم معاني الرموز من خلال التجربة اليومية ومشاهدة تصرفات الآخرين.
تقع على المعماريين مسئولية خاصة تجاه المتعاملين مع المباني التي يقومون بتصميمها وهو استخدام أساليب وطرق دقيقة ذات معنى مناسب للثقافة والبيئة العامة المحيطة بهم. فكل ما يقوم المعماري بتصميمه وتنفيذه يصبح جزء من البيئة العامة التي يعيش فيها الإنسان ويتعامل معها في حياته اليومية. فبإضافة فيلا جديدة أو جمعية تعاونية أو مستوصف أو مدرسة أو أي مبنى آخر نستعمله في حياتنا اليومية تتغير البيئة العمرانية المحيطة بنا والتي نراها كل يوم. وتبدأ الرسائل الموجودة في البيئة في التزايد والتعدد.
إن التغيرات والتحولات التي تحدث في لغة العمارة يمكن أن تحجب أو تعزز أو تشوش المعاني الموجودة في البيئة العمرانية ولكن الرموز الأساسية التي يمكن قراءتها عبر الزمن والتاريخ تصل ثابتة ومستقرة. فنتيجة للمحاولات المستمرة والتنافس بين المعماريين للتميز عن بعضهم البعض وعن الآخرين ونظرا لغياب تأثير لجان الطابع المعماري في توفير طابع موحد للمدينة أو حتى على مستوى الأحياء السكنية، فقد تحولت المجاورات السكنية والتجارية إلى خليط كبير من الرموز والرسائل التي تفرض نفسها على المواطن يوميا من خلال تواجدها في مجال الرؤية البصرية اليومية للمتعامل مع أحياء وشوارع المدينة. فالرحلة اليومية من السكن إلى مقر العمل أو المدرسة تتخللها مئات من الرسائل والرموز المعمارية التي يعزز بعضها البعض أو يتضارب بعضها مع البعض الآخر ومنها المفهوم واغلبها المجهول والذي يؤدى بالإنسان في نهاية المطاف إلى فقدان المعنى والترابط مع البيئة العمرانية المحيطة.
لذلك فمن الضروري التعرف على كيفية قراءة البيئة العمرانية المحيطة بالشكل الصحيح الواعي بما يتيح تقييمها والحكم عليها. ومن الضروري أيضا أن تنشأ آليات للنقد المعماري يتم من خلالها الحكم على المشروعات قبل تنفيذها لتقرير مدى مناسبتها للبيئة العمرانية التي سوف تحتويها. إن دراسات تأثير المشروعات على البيئة الطبيعية (المعروف باسم Environmental Impact Assessment ) يجب أن يتضمن أيضا تأثير المشروعات على البيئة العمرانية والإنسانية المحيطة.

إشكالية الشخصية والدلائل والمعنى في المكان

كيف تحمل المباني "المعاني"؟ كيف يمكن قراءة العمارة القراءة الصحيحة؟

تتكون معظم اللغات المعروفة من أبجديات أو حرف تكون معا كلمات ذات معاني معينة تبعا لطريقة نطقها وتتابعها. وكل حرف لا يختص بمعنى ثابت ولكن تجاور الحروف وترتيبها بشكل معين يتيح للمعنى الظهور من خلال الأصوات التي تحملها. فالأحرف "ك" و "ل" و"م" يمكن أن تكون عدد من الكلمات مثل "ملك" أو "كلم" أو "لكم" أو "مكل" أو "كمل" أو "لمك" وفى حين أن اغلب تلك الكلمات له معنى يمكن للإنسان التعرف عليه مباشرة إلا أن بعضها ليس له معنى معروف بدون الرجوع للقاموس، في حين توجد كلمات أخرى لا معنى لها في اللغة على الإطلاق. وبينما نجد أن الحرف الواحد في اللغة الانجليزية من حروفها الستة والعشرون يستعمل بطريقة واحدة في النطق (إلا بعض الاستثناءات القليلة) نجد أن حروف اللغة العربية الثمانية والعشرون يستخدم كل حرف منها بثلاثة طرق مختلفة على الأقل (الفتح والكسر والضم ثم السكون والتشديد) لذلك نجد تعدد الألفاظ وتنوعها في اللغة العربية عن اللغة الانجليزية واللغات الأخرى من الأصل اللاتيني. إن اى خطأ في ترتيب الحروف يغير من معنى الكلمة ويجعلها تشير إلى معنى مختلف مثلما تشير الاشكال المعمارية إلى معاني مختلفة إذا تم استخدامه بطريقة مختلفة.
وبعد تكوين الكلمات ذات المعاني المعروفة يأتي دور الجمل في وضع الكلمات بطريقة معينة يتم من خلالها نقل المعاني والأفكار من المرسل إلى المتلقي. وأحيانا يؤدى الخطأ في ترتيب الكلمات الصحيحة للجملة في تغيير معنى الجملة وفى أحيانا أخرى لا يتغير المعنى الذي تحمله الجملة بتغير ترتيب الكلمات ولكنه قد يؤثر على صحتها النحوية والتعبيرية. فمثلا: "ذهب احمد إلى المدرسة" تختلف عن "احمد ذهب إلى المدرس" تختلف عن "إلى المدرسة ذهب احمد" أو "ذهب إلى المدرسة احمد". فوجود الكلمات الصحيحة لا يؤدى بالضرورة إلى الوصول إلى المعنى الصحيح أو المقبول وهو ما ينطبق تماما على العمارة حيث أن ترتيب تتابع العناصر المعمارية والعلاقة الصحيحة بينها هو في نفس أهمية استخدام العناصر الصحيحة.
وأخيرا يأتي دور "النص" وهو الترتيب العام الذي يحتوى على الفقرات والجمل التي تنقل المعنى المتكامل المراد توصيله. والنص يمكن أن يقع في مئات من الصفحات أو بضع سطور تبعا للمعنى المراد توصيله وعمقه ومدى تمكن الكاتب من اجتذاب القارئ إلى المعنى المراد توصيله. ويمكننا النظر إلى الأعمال المعمارية على أنها "نصوص لغوية" تحتوى على جمل وكلمات توصل أفكار محددة للمتلقي. فالعمل المعماري يحتوى على حجوم ومسطحات ذات أشكال تحمل معاني ثقافية واجتماعية يعرفها المنتمون للثقافة الواحدة.

اللغة والكلام

ويميز عالم اللغات سوسور بين اللغة والكلام. فاللغة هي ما نشترك فيه جميعا من حيث الكلمات الموجودة في القاموس والقواعد المنظمة لترابطها معا. ولكن من كل تلك المصادر التي وفرتها لنا اللغة فان كل منا يفضل كلمات معينة كما نفضل طرق معينة لوضعها معا وهو ما اسماه سوسور ب"الكلام". ونجد في العمارة تشابها كبيرا بمثل ذلك التميز. فلكل معماري طريقته المفضلة في استخدام مفردات الطراز السائد من خلال طريقة استخدامه لمكونات نظام معين كما يكون في كلامه مستخدما لكلمات معينة يصف بها أعماله. وفى اللغة العربية نجد أن علم اللغة وعلم الكلام علمان مختلفان  و"العقل يطلب المعنى" كما يقول ابو حيان التوحيدى.
التحليل اللغوي للعمارة
الهدف النهائي أو الغاية النهائية أو التامة للغة هي نقل أو توصيل الأفكار ومعانيها من عقل شخص إلى عقل شخص آخر. يهتم الباحثون في نظرية المعلومات أمثال فاينر (1984) و شانون و ويفر (1949) بمدى كفاءة انتقال وتحول الأفكار عن طريق اللغة. في حين يهتم الباحثون في مجال نظرية الرمز امثال تشارلز ساندرز بيرس (1960) و فيرديناند دى سوسور (11-1906) بمحتوى الرسالة التي تحملها الكلمات والرموز الاخرى لنا.
الرمز هو شئ _ أي شئ -يبرز لنا أو يذكرنا بشئ آخر. الرمز يمكن أن يكون كلمة ، مكتوبة أو مسموعة، إيماءة أو مخطط ، رسم أو صورة ، رداء أو غطاء رأس أو سيارة وبالتأكيد فانه يمكن أن يكون مبنى. ومثلما تكون مجموعات الكلمات المرتبة بشكل معين جملا مفيدة أو عبارات تنتقل من خلالها المعاني ، تكون مجموعات الرموز (الأشياء) المرتبة بنظام معين معاني تنتقل إلى العقل الانسانى ويتم استيعابها عن طريق الخبرات السابقة أو المكتسبة. فمثلا كلمة "مسجد" تستدعى إلى العقل معاني معينة مثل الدين والصلاة والأذان والخشوع. ولكن الكلمة وحدها لا تكفى فقد توضع الكلمة في جملة تؤدى إلى غياب المعاني التي تحملها الكلمة. فمثلا جملة "لا يوجد أي مسجد بالمدينة" تعنى غياب كل المعاني التي تحملها كلمة "مسجد" منفردة. مثال اخر جملة "يحتوى المسجد على صحن وقبة ومئذنة" تكون في العقل صورة ذهنية عن شكل نمطي متكرر يعرفه العقل عن المسجد.

هناك العديد من الرموز مكونة من أشكال وأشياء يتم استخدامها في مجال العمارة لتوصيل معاني معينة تعتمد على ما يلي:
1)    الرسالة المطلوب توصيلها من
2)    الراسل و
3)    مدى نجاح هذا الشئ في حمل وتوصيل الرسالة و
4)    مدى قدرة المتلقي على قراءة وفهم الرسالة.
يتدرج التعامل مع الأعمال المعمارية من البسيط الذي لا يحاول إضافة العديد من العناصر التشكيلية إلى المباني إلى المركب الذي يحاول إضافة اكبر قدر من التشكيلات الزخارف. 

كيف يمكن الاستفادة من تلك الدراسة في الواقع العملي؟

1.     التعرف على القراءة الصحيحة المتعمقة للرموز الموجودة في البيئة العمرانية مما يساعد على التعايش معها بصورة ايجابية أعمق.
2.     المشاركة في تقييم البيئة العمرانية الموجودة أو المقترحة من قبل المواطن بناء على وعى بتأثيرها على البيئة المحيطة.
3.     تفعيل آليات الضبط البيئي مثل لجان الطابع المعماري وغيرها لما يمثله ذلك من فائدة للصالح العام.