Saturday, March 24, 2012

تأثير المعماري الروماني فيتروفيس على العمارة الغربية - VITRUVIUS


تأثير المعماري الروماني فيتروفيس على العمارة الغربية
د. ياسر عثمان محرم محجوب
مقدمة
تأثر تطور العمارة الغربية بالمعماري الروماني فيتروفيس Vitruvius ، هو مصمّم معماري و مهندس روماني عاش في القرن الأول قبل الميلاد، ويعتبر فيتروفيوس من اكثر الأشخاص تأثيرا على تطور العمارة الغربية لمدة طويلة من الزمن اكثر من أي شخص آخر فى التاريخ. و حتى نستطيع تفهم ما وصلت أليه العمارة الغربية اليوم ينبغي علينا تفهم جذورها و أصولها و المؤثرات الهامة عليها. و فيما يلى دراسة مختصرة عن فيتروفيوس واوجه تأثيره على العمارة الغربية.

خلفية تاريخية عن فيتروفيوس
اسمه الكامل هو ماركوس فيتروفيوس بوليو Marcus Vitruvius Pollio و يعرف من خلال عمله الشهير "عشرة كتب في العمارة"  Ten Books in Architectureو الذي قام بإهدائه الى الإمبراطور أغسطس Augustus . و قد قام بكتابة هذا العمل لكي يوفر للإمبراطور أغسطس الأسس والمقاييس التي يمكن بها الحكم على المباني و توفير منهج تطبيقي دليل عملي للآخرين لكي يتبعوه.
و يظهر من مقدمة عمله أن فيتروفيوس كان معروفا لدى يوليوس قيصر كمهندس عسكري و قد تم تعيينه كمهندس مدفعية بمعرفة أغسطس و قد ترقى عبر السنين و تعللت صحته بعدما كتب كتبه المعروفة. و يبدو انه لم يعمل كمصمم معماري لمدة طويلة حيث انه لم يذكر سوى مبنى واحد قام بتنفيذه و هو مبنى البازيليكا في فانم Fanum ويشير فى كتبه إلى مدى فقره مقارنة مع ازدهار زملائه المعماريين. و هو يفضل، بناء على مقولته، أن يكتب الأسس والمبادئ والفلسفة التي يؤمن بها لإيمانه بأن الكلمة المكتوبة هي أهم مكونات الذاكرة الإنسانية و ان تعليم المهارات والحرفة و هي الثروة الحقيقية الوحيدة و النصب التذكاري التي يمكن أن يتركها إنسان.

اعمال فيتروفيوس
و تعتمد شهرته على محتوى الموسوعي encyclopedic لعمله و احتوائه على مزيج من المناقشات التاريخية و النظرية و التوجيهات العملية المفصّلة مما يعكس تعليمه الواسع و معرفته بالأدب والفلسفة والتقنية اليونانية من كل الأنواع و في مختلف المجالات بالإضافة إلى تجاربه العلمية و خبرته الهندسية. وحيث أن معظم النظريات الأولى التي اعتمد عليها (والتي قام بتسمية مؤلفيها و الموضوعات التي تناولوها) لم تدم طويلا فان عمله يعتبر ذو قيمة كبيرة لدراسة تاريخ العلم و الهندسة كما هو بالنسبة للعمارة بمفهومها العام.
و تركيزه على الموقع والتوجيه المناسب للمبنى و على علم الصوتيات الفعال و خاصة على النسب الصحيحة في المسقط و الواجهة توضح ما وصلت أليه المعرفة، في ذلك الوقت، في العلوم الطبيعية و الفيزيائية و الرياضيات و الموسيقى و كذلك الأفكار الفلسفية بالنسبة لطبيعة الأشياء. و هو يوضح ما يجب على المعماري تفهمه بالنسبة للجغرافيا و المناخ والإنسان والناس والطب والبصريات و علم المنظور و الصوتيات و ميكانيكا الأشكال و والمبادئ الرياضية والفلك.
أما بالنسبة لاكتشافاته فهي محل تساؤل حيث انه كان يعتمد على تجربته الشخصية في مناقشاته للتطبيقات الهندسية و خاصة المشاكل الهيدروليكية و الدفعية و الميكانيكية. و تأتى ايضا من تجاربه الخاصة توجيهاته باستخدام أدوات مناسبة لتطبيق علم الصوتيات الصّحيح في القاعات المغلقة والمسرح المفتوح من قبل خلال استخدام مزيج من الرياضيات، الفيزياء، والموسيقى.

الكتب العشرة عن الهندسة المعمارية
الكتاب الأول من "نظامه الكامل عن الهندسة المعمارية " يتعامل مع تدريب المصمّمين المعماريين في مجالات الفنون الجميلة، و نظريات وعمليات التقنية و المبادئ والتّعاريف العامّة للهندسة المعمارية واختيار المواقع للمدن والحصون. الكتاب الثاني يوضّح تطور المباني ويناقش مواصفات واستعمالات مواد البناء. الكتاب الثالث يوضح كيفية عمل خطط المعابد وتفصيلات النظام الأيوني Ionic order . الكتاب الرابع يتعامل مع أصول النظم وتفصيلات التيجان الكورنثية والدورية والتوسكانية  and Tuscan Corinthian ،Doric و التصميم الداخلي. الكتاب الخامس يستكمل وصف البنايات العامّة الأخرى مثل: المنتدى، الباسيليكا الرومانية، الخزينة، السجن، دار المجلس الاستشاري، المسرح الرومانى مع التركيز على الانسجام و تطبيق علم الصوتيات من خلال القطاعات المعمارية، الحمامات العامة، الجمنازيوم، وموانئ السفن. الكتاب السادس يقدم البيوت الخاصّة، فى المدينة والريف بحدائقهم في مختلف أنواع المناخ ولمختلف طبقات المجتمع. الكتاب السابع  يغطّي الزينة و الديكور الداخلي بالتّركيز على العمليات التّقنية لرسم الصور المنظورية على الحائط. الكتاب الثامن يتعامل مع الماء، مصادره ونوعياته وطرق تجهيز واختباره. الكتاب التاسع يهتمّ بالهندسة الفراغية للأشكال، علم الفلك، وعمل الساعات. الكتاب العاشر يختتم العمل بمناقشة المبادئ الميكانيكية لإنشاء المباني وهندسة السوائل والعمليات العسكرية.

اوجه تأثير اعمال فيتروفيوس على العمارة الغربية
يعتبر أستعمل  Vitruvius  كمرجع من قبل Pliny  في القرن الأول بعد الميلاد  دليل على أن كتبه كانت تستخدم كعمل قياسي خلال الحضارة الرّومانية لمدة أربعة قرون سواء من ناحية أسلوب الإنشاء او العمليات التقنية. و الجدير بالذكر هو التّأثير الكبير الذي مارسه على أسلوب المصمّمين من الأيام الأولى لعصر النهضة الاول early Renaissance إلى العصر الحديث، فالمبادئ والتوجيهات التي وضعها فيتروفيوس قبلها العديد من المصمّمين كمرجعية مطلقة. وبالرغم من أن الطراز المعماري الذي وضعه فيتروفيوس لا يتم إتباعه إلا أن أسلوبه المعماري يتمتع باحترام مؤرخي  العلم في العصور الحديثة.
تم اكتشاف مخطوطات فيتروفيوس حوالى 1415 م و كان لها تأثيرا كبيرا فى توجيه العمارة و الفن و الثقافة عموما نحو اعادة اكتشاف التاريخ القديم وصار المرجع الأساسي للمثقفين. وقد ترجم من اللغة اللاتينية الى الإنجليزي خلال القرن السابع عشر من قبل السيد هنري واتن  Henry Wotton (1567-1639.وقد قدم فيتروفيوس من خلال مخطوطاته تعريفا جيدا للعمارة في القرن الأول الميلادي) يقول فيتروفيوس:
الهندسة المعمارية هي المباني التي دمجت utilitas, firmitas, و venustas
وهو ما ترجمه واتن إلى الانتفاع , commodotie ، الثبات firmness ، والبهجة  delighte.
و قد اثر هذا التّعريف على تطور الهندسة المعمارية في الغرب منذ عصر النهضة -عند ترجمته من اللاتينية إلى الإنجليزية-و حتى العصر الحديث فى مجالات التعليم المعمارى و ممارسة المهنة. ويتضمن هذا التعريف تاكيدا بأن الهندسة المعمارية هي تعانق متطلبات وظيفية وتقنية وجمالية. فالعمارة يجب ان تحتوى على انتفاع  commodotie وهو ما توفره الوظائف التي تحتوى عليها العمارة والتى يستخدمها الناس مثل السكن و الدراسة و العلاج و الثبات firmness الذي يوفره الاستقرار البنائي والإنشاء المتين و المظهر الجذاب  delighte الذى توفره النسب و الألوان و الأشكال. وبذلك يكون المعماري مسئولا عن توفير الوظيفة و الأمان و الجمال. وقد كانت اعادة اكتشاف اعمال فيتروفيوس سببا فى تنافس بعض المعماريين على الاستزادة من الدراسات الكلاسيكية و تسجيل الاثار الرومانية و الاغريقية و وضع قواعد و نظريات تفسر اسباب روعتها و جمالها وظهر ذلك فى كتابات البرتى (Alberti) و فنيولا (Vignola) و غيرهم.
ومنذ عصر النهضة تركز اهتمام المعماريين لقرون عدة على التنافس فى النواحي الجمالية للعمارة باعتبار ان توفير النواحى الوظيفية و الإنشائية أمر بديهي ومفروغ منه. وأثر ذلك على طريقة اعداد المعمارى لممارسة المهنة حيث كان يتم التركيز على تنمية الجوانب الفنية من خلال رسم التدريب المشهور على رسم "الطرز الخمسة" تبعا للقواعد و نقلا من كتب فنيولا لتعلم المحافظة على النسب. وظهرت الاكاديميات فى ايطاليا و انتقلت منها الى فرنسا و ظهرت مدرسة البوزار Ecole des Beaux-Arts الشهيرة فى فرنسا و التى ضمت العمارة و الفنون. واننتقلت تلك الاتجاهات من خلال الاوروبيين الى الولايات المتحدة الامريكية التى تم اغلب مبانيها الحكومية الجديدة على الطرز الكلاسيكية التى تخفى داخلها وظائف و استخدامات جديدة. ويعكس تخطيط وتصميم مبانى العاصمة واشنطن D.C. مدى تاثر العمارة بالطرز الكلاسيكية فى ذلك العصر.
واستمر هذا الحال فترة طويلة حتى منتصف القرن الثامن عشر حين ظهرت انواع جديدة من المدارس تهتم بالبناء و العلوم الانشائية و نظريات الانشاء و تحليل القوى و مواد الانشاء و خواصها ودراسة العناصر المعمارية من الناحية الانشائية. وهكذا ظهر المهندس الذى يتبنى وجهة نظر مختلفة عن المعمارى تعتمد على الانتفاع و المتانة و الاقتصاد و البساطة و النظام وعلى وجه الخصوص رفض التبعية التاريخية. وقد ظهر الانقسام التام فى القرن التاسع عشر بين المعمارى و المهندس الانشائى نتيجة تعمق الدراسات و تعقيدها وكبر و اتساع المبانى و ظهرت الحاجة الى حسابات إنشائية دقيقة. وازداد الانقسام مع ظهور المباني الهيكلية المشيدة بالحديد و الخرسانة المسلحة فى نهاية القرن التاسع عشر.
ومع ظهور أنواع جديدة من المباني احتاجتها الثورة الصناعية مثل المصانع و الموانئ و الاسواق التجارية و المعارض وقاعات الاجتماعات و صالات الألعاب و غيرها من المباني التى تضمنت صالات واسعة و ارتفاعات كبيرة ظهرت الحاجة الى وجو تعاون بين التخصصات المختلفة فى سبيل تحقيق الهدف المطلوب. وبدأ ادراك المعماريين لانواع جديدة من الجمال تختلف مصادرها عن مصادر الجمال الكلاسيكى و هو الجمال الناتج عن استخدام المواد الجديدة و استيفاء الوظائف بطريقة عملية ومباشرة. وصار للعمارة رواد جدد انتقدوا العمارة القديمة واتخذوا مثل عليا جديدة مثل "الامانة فى الانشاء" و "الصراحة فى التعبير" و الابتعاد عن الطرز الكلاسيكية التى تخفى داخلها مبانى حديثة.
وبعد الحرب العالمية الأولى ظهر الجيل الثاني من الرواد خلال العشرينات و الثلاثينيات من القرن العشرين وبدأت أعمالهم تظهر إلى حيز الوجود و هي أعمال تجسدت فيها نظريات العصر الحديث Modern Era  وظهرت اتجاهات معمارية جديدة اهمها الطراز الدولى International Style. وظهرت مقولات جديدة تعكس الاتجاهات السائدة فى ذلك العصر و منها "القليل كثير Less is More" و "المسكن آلة للعيش فيها The House is a Machine to Live in" وهى فلسفات عكست ثقافة المجتمع الحديث.