Wednesday, May 30, 2012

دور ومسئوليات المهندس المعماري في المجتمع - مقالة كتبت فى 1994


دور ومسئوليات المهندس  المعماري في المجتمع
د. ياسر عثمان محرم محجوب
قسم الهندسة المعمارية - كلية الهندسة
جامعة الامارات العربية المتحدة






يقول العلامة ابن خلدون "في صناعة البناء":
هذه الصناعة هي أول صنائع العمران الحضري وأقدمها وهي معرفة العمل في اتخاذ البيوت والمنازل للكن والمأوى للأبدان في المدن. وذلك أن الإنسان لما جبل عليه من الفكر في عواقب أحواله لابد أن يفكر فيما يدفع عنه الأذى من الحر والبرد كاتخاذ البيوت المكتنفة بالسقف والحيطان من سائر جهاتها .....
مقدمة العلامة ابن خلدون ص 406

يشهد مجتمع دولة الإمارات العربية المتحدة تغيرات اجتماعية وثقافية نشأت نتيجة الطفرة الاقتصادية وظهور البترول بكميات اقتصادية في السبعينيات. وتؤثر تلك التغيرات على كافة نواحي الحياة وخاصة على البيئة العمرانية. فمع تزايد القدرة الاقتصادية تغيرت احتياجات ومتطلبات الفرد والمجتمع. فعلى مستوى المجتمع ككل تغيرت الاحتياجات من بيئة عمرانية بسيطة تنتشر في أنحاء البلاد إلى تجمعات مدنية كبيرة تتوافر فيها الطرق الواسعة للسيارات والمباني عامة والحكومية والاسواق التجارية وخلافه. وعلى مستوى الفرد والأسرة تغير الاحتياج من بيوت تقليدية مبنية بمواد البناء والتكنولوجيا البدائية المتوفرة فى المنطقة إلى أنماط سكنية متطورة مثل القصور والفيلات والتجمعات السكنية. وتوافرت طرق وأساليب ومواد الإنشاء الحديثة التي أثرت تأثيرا كبيرا على التصميم المعماري وادى ذلك الى ظهور بيئة عمرانية مختلفة تماما عن البيئة العمرانية التقليدية.

المهندس المعماري والمجتمع
إن طبيعة عمل المهندس المعماري واشتراكه في تصميم مختلف مكونات البيئة العمرانية من المساكن والمدارس والمصانع والفنادق والمستشفيات والاسواق التجارية وجميع ما تحتاجه البيئة العمرانية على مختلف مستوياتها واشكالها تجعله في موقف متميز يرى منه بالتجربة الشخصية المباشرة النتائج العملية والاجتماعية للبرامج الحكومية والاستثمارات الخاصة وتأثيرها على مستوى المعيشة وكيفيتها. لذلك دائما ما يكون المعماريون من أوائل من يشير إلى وجود المشكلات الاجتماعية وأهمية وكيفية علاجها ومن أمثلة ذلك إشارة المهندسون المعماريون إلى مشاكل وسط المدينة والتطوير العمراني السريع ومشاكل انعزالية الضواحي ومشاكل الإسكان الشعبي. والمعماري كأحد أفراد المجتمع يتأثر بما يجرى حوله في المجتمع وينعكس ذلك على عمله وقيمه وتطلعاته. ولا يقوم المعماري بمراجعة كافية لما يقوم به من أعمال وعلاقته ومدى مناسبته للمجتمع المحيط به، حيث يعتقد المهندس المعماري أن مجرد كونه فرد من أفراد المجتمع يجعله قادرا على أن يعكس رغبات وتطلعات هذا المجتمع المحيط به.
ويعتقد بعض المهندسين المعماريين بان دورهم هو التعبير عن الثقافة والفلسفة العامة السائدة في مجتمعهم من خلال أعمالهم المعمارية ومبانيهم. ففي عصر الحداثة وتحكم الآلة في جميع اوجه الحياة اقترح المعماري العالمي لوكوربوزييه النظر للمسكن كآلة للسكن. ومن أقواله المشهورة: "المسكن هو آلة للسكن فيها The House is a MACHINE to Live in" وهي نظرة تعكس سيطرة الآلة وتفوقها في مجال الصناعة والتكنولوجيا وانعكاس ذلك على جميع نواحي الحياة. وعبارة ميس فان دروه المشهورة "القليل كثير Less is More " التي تعبر عن الاتجاه التجريدي للحضارة وسرعتها وخلوها من الإضافات. فعمارة الحداثة كانت تعكس أوضاع وطرق التفكير السائدة في ذلك الوقت مثلما كانت وستظل العمارة دائما تعكس أوضاع المجتمع.

مهام المهندس المعماري
تتضمن المهام التقليدية للمهندس المعماري العمل مع العميل لتفهم احتياجات المشروعات والبرامج المطلوبة لها وتصميم المشروعات وتحقيق التصميم المطلوب من خلال الرسومات التنفيذية للمشروع. وغالبا ما يطلب من المهندس المعماري الاشتراك في تحديد برنامج المشروع ودراسة العطاءات المقدمة من المقاولين وإدارة تنفيذ المشروع وتقدير التكاليف واختيار المقاول وتقييم المشروعات بعد الاستخدام وصيانة المباني. ويساهم المهندس المعماري في جميع تلك الأعمال بصفة استشاري حيث يتدخل في اتخاذ القرارات العديد من الأفراد أو الجهات التي لها صلة مباشرة بالمشروع سواء من ناحية الانتفاع أو التمويل أو التنفيذ.
ويشير تاريخ وتطور المهنة إلى فقدان المهندس المعماري التحكم في تحمل العديد من تلك المسئوليات. ففي عصور ما قبل الثورة الصناعية كان للمهندس المعماري دور اكبر وتحكم كامل في عملية البناء. كان دور المهندس المعماري يشمل تحديد الاحتياجات وتصميم المشروعات والإشراف الفعلي على تنفيذ البناء وأحيانا القيام بتنفيذ بعض الأعمال بنفسه. وقد بدأ دور المهندس المعماري يتغير من حوالي 300 عام مع بداية الثورة الصناعية نتيجة تطور الصناعة والتكنولوجيا وأساليب التمويل ونظم الإنشاء.

المهندس المعماري والعميل
علاقة المهندس المعماري بالعميل تتأثر بالمصالح المتبادلة بينهما. ففي حين تكمن مصلحة المهندس المعماري في القيام بتصميم المشروع والإشراف على التنفيذ في احسن صورة ممكنة تكون مصلحة العميل في تنفيذ المشروع وتحقيق الانتفاع منه بأقل تكلفة ممكنة. ومن أهم المشاكل التي يقابلها المهندس المعماري عدم تقدير العامة للجهد والتكلفة والزمن اللازم لتصميم المشروع وعمل الرسومات الابتدائية والرسومات التنفيذية ومستندات العطاءات حيث تتراوح النسبة اللازمة لإنجاز تلك الأعمال من 2 إلى 10 % في بعض الأحيان في حين لا يكون هناك منتج يشعر العميل بقيمته.
كان المهندس المعماري يتمتع بتحكم كامل في عملية البناء أما اليوم فان عملية البناء يتدخل فيها العديد من التخصصات والمجالات والأعمال. فدراسات الجدوى وتحديد الاحتياجات يتحكم فيها المخططون وعلماء الاجتماع. والتنفيذ يتدخل فيه الممول والمقاول. والتصميم ما زال هو مجال المهندس المعماري. وتكمن المشكلة في التعارض بين مصالح مصادر تلك القرارات. فالتكلفة يتم تخفيضها على حساب الراحة والكفاءة وغالبا ما يكون ذلك على حساب المستخدم النهائي للمبنى.

مستقبل المهندس المعماري
يجب التفكير في أسلوب جديد للعمل المعماري لكى يتمكن المهندس المعمارى من التعامل مع جميع المهام المعمارية التى يتطلبها المجتمع من تحديد احتياجات و وضع برنامج وتصميم وتنفيذ. فالقرارات التصميمية يجب أن يكون لها نفس أهمية البرامج والتنفيذ. وللوصول إلى ذلك يجب أن نتفهم مهام المهندس المعماري في المستقبل كما يلي:
1- وضع البرامج وتطويرها ، 2-، دراسات الجدوى ، 3- الإدارة العامة ، 4- التصميم ، 5-  إدارة المشروعات وجداول التنفيذ ، 6-  دراسة الميزانيات والتحليل المالي ، 7- صيانة وتشغيل المباني.
وهذه المهام توفر الوسائل التي يحتاجها المهندس المعماري ليفي بدوره المهني في المجتمع و واجباته تجاه العميل. وبالطبع لا يسمح تعدد تلك المهام بالقيام بها عن طريق  شخص واحد ولكن يمكن تحقيقها عن طريق عدد من المهندسين المعماريين يكملون بعضهم بعضا.

وللمؤسسات التعليمية دور هام في تحقيق هذا الدور الجديد للمهندس المعماري والأخذ في الاعتبار التغيرات التي تطرأ على ممارسة المهنة حيث تمثل المؤسسات التعليمية المصدر الأول في تحديد المؤهلات المطلوبة للمهندس المعماري والتي يساهم فيها أيضا التعليم العالي. ومن أهم أدوار المؤسسات التعليمية هو إعادة تعريف المهندس 
المعماري وصورته وتطوير دوره في المجتمع.