Wednesday, May 30, 2012

اشكالية الطابع المعمارى فى دولة الامارات العربية المتحدة - مقالة كنبت فى 1997


اشكالية الطابع المعمارى فى دولة الامارات العربية المتحدة

د.م. ياسر عثمان محرم محجوب
قسم العمارة - كلية الهندسة - جامعة الامارات






تمر دولة الامارات العربية المتحدة بتغيرات اجتماعية و ثقافية بدأت مع ظهور البترول بكميات اقتصادية منذ اكثر من ربع قرن. و تأثرت اغلب مظاهر الحياة و العلاقات الانسانية بتلك التغيرات و انعكس ذلك على الطابع المعمارى الذى تأثر بكل مراحل هذا التطور السريع. فبين مؤيد يؤكد أهمية وجود طابع معمارى يعكس القيم الثقافية و الاجتماعية و للمنطقة و المحافظة على التراث المعمارى القديم و معارض يعتبر هذا الاتجاه تقيد بمخلفات الماضى و يؤكد على اهمية مسايرة التطورات التكنولوجية الحديثة بغض النظر عن الطابع و الهوية يظهر الطابع المعمارى بدولة الامارات العربية المتحدة كأشكالية يصعب التعامل معها.
تأثر الطابع المعمارى فى دولة الامارات العربية المتحدة تأثرا كبيرا بالاوضاع الاقتصادية و الثقافية و الاجتماعية لسكان المنطقة.  فلعقود طويلة قبل اكتشاف البترول استمتع سكان المنطقة بالهدوء و الحياة التقليدية البسيطة الآمنة. و انعكست مظاهر و سمات تلك المرحلة على العمارة المحلية بالمنطقة و ساهمت العمارة فى توفير بيئة مناسبة للسكان تقيهم من حرارة الجو عن طريق حلول مبتكرة للاستفادة من مواد الانشاء المتوفرة و استغلال الرياح الملطفة عن طريق البراجيل. و اعتمد اقتصاد المنطقة قبل اكتشاف البترول على التجارة و صيد اللؤلؤ فى المناطق الساحلية و الزراعة فى الواحات بالقرب من عيون المياه و الرعى فى المناطق الصحراوية.

تميزت مرحلة ما قبل ظهور البترول بانعكاس واضح للقيم الثقافية و الاجتماعية و البيئية على الطابع المعمارى تمثل فى التنظيم الوظيفى لعناصر المسكن و الاعتماد على الفناء الداخلى المفتوح لتوفير الخصوصية اللازمة للسكان و استخدام مواد انشاء محلية مثل الاحجار البحرية و الجص و الحجر و النخيل و الاستفادة من البراجيل فى تلطيف الجو الداخلى للغرف. و انتشرت القلاع عند مداخل المدن لتوفير الحماية للسكان. و تتعدد امثلة العمارة التراثية فى انحاء دولة الامارات العربية المتحدة مثل قلعة الفهيدى بدبى التى تم تحويلها الى متحف و قلعة الحصن بابو ظبى و قلعة المربعة بالعين و غيرها. و من اهم الامثلة المعمارية لتلك الفترة بيت الشيخ سعيد بمدينة دبى و الذى تم تجديده حديثا ليصبح من المعالم التراثية لدولة الامارات. و تشترك جميع امثلة العمارة التراثية فى دولة الامارات العربية المتحدة فى تحقيقها لطابع معمارى مميز ينتمى للمنطقة و يعكس كافة ظروفها الثقافية و البيئية و الاجتماعية.

مع بداية ظهور البترول بكميات اقتصادية اصبحت المنطقة مركز جذب عالمى و قوة اقتصادية مؤثرة و حدثت طفرة اقتصادية هائلة خلال السبعينيات انعكست على عمارة المنطقة التى تغيرت بشكل كبير لتناسب الاوضاع الاقتصادية و الاجتماعية و الثقافية الجديدة. و بعد اعلان انشاء دولة الامارات العربية فى يوليو سنة 1971 توافدت على المنطقة العديد من المكاتب الاستشارية المعمارية العالمية و شركات الانشاء و التشييد و بدأت حركة سريعة فى التنمية العمرانية فى مختلف انحاء الدولة. و نظرا لقلة الكفاءات المواطنة فى تلك الفترة فى مجال العمارة و التشييد اعتمد العمل على كفاءات اجنبية غير مواطنة سواء من دول عربية او اجنبية. و ظهرت انماط كثيرة من العمارة ذات طابع غربى و استخدمت مواد و نظم انشاء حديثة لم تكن معروفة فى المنطقة من قبل و اتاح توافر العامل الاقتصادى اتمام المشروعات و ظهورها على ارض الواقع بسرعة.
و انتشرت المبانى و المنشآت التى تتماشى مع طابع العمارة الحديثة المميز لهذا العصر و تم استخدام الخرسانة المسلحة و الحديد و الزجاج و الاعتماد على تكييف الهواء كعنصر اساسى من عناصر المبنى. انتشرت الطرز المعمارية المختلفة و الاشكال المستوردة من مختلف انحاء العالم و غلب عليها طابع العمارة الحديثة و الاعتماد على مواد و نظم انشاء مستوردة. انتشرت المبانى التى لا تحمل طابع و لا هوية المنطقة و لا تنتمى اليها و اصبحت جزء من الواقع العمرانى للمنطقة حتى اطلق البعض على منطقة الخليج "ملعب العمارة" نظرا لاستخدام العديد من الاشكال المعمارية دون التقيد بوجود اى طابع او هوية. و قد نشأت تلك الظاهرة نتيجة عدم الوعى بأهمية وجود طابع معمارى مميز للمنطقة و اتجاه العمارة الحديثة السائد فى تلك الفترة و الذى نادى باهمال العمارة التقليدية و الاهتمام بالتطور التكنولوجى فى سبيل تحقيق عمارة تتناسب مع متطلبات العصر و التقدم التكنولوجى دون الاهتمام بالانسان و ظروفه الثقافية و الاجتماعية. و تغلب العامل الاقتصادى و توافر التمويل اللازم فى انشاء العديد من الامثلة المعمارية التى لا تتناسب مع الظروف البيئية و الاجتماعية. و انتشر استخدام المبانى الزجاجية التى تمتص و تعكس اشعة الشمس الحارقة اثناء الصيف بالاضافة الى زيادة استخدام التكييف و الطاقة الكهربائية.

بعد انتهاء فترة الانبهار بالتطورات التكنولوجية و الطفرة العمرانية السريعة، نتيجة الانفتاح السريع و المفاجئ على العالم، بدأت العديد من دول الخليج و منها دولة الامارات العربية المتحدة فى التمعن و التفكير فى البيئة العمرانية التى انتجتها تلك الفترة و التى افتقدت الطابع المعمارى المميز و الانتماء للمنطقة. فقد تماثلت العديد من المناطق العمرانية و خاصة فى المدن الكبيرة فى دولة الامارات مع المدن الكبيرة فى اماكن اخرى من العالم و تأثير تلك البيئة العمرانية على النواحى الانسانية و الثقافية و الاجتماعية. و بدأ الاهتمام على كافة المستويات بالتراث و احياء القيم التقليدية الاصيلة و الاهتمام بالعمارة التراثية و ما تعكسه من قيم حضارية و تراثية. و بدأت عمليات ترميم بعض المبانى القديمة و تحويلها الى متاحف. كذلك بدأ تشجيع محاولات اظهار طابع معمارى مناسب للمنطقة فى المبانى الحديثة و نجحت بعض المحاولات فى مزج القديم و الحديث و توظيف مواد الانشاء و النهو الحديثة فى الوصول الى طابع معمارى مميز للمنطقة. استمرت فى نفس الوقت محاولات استغلال الامكانات الاقتصادية فى استخدام احدث التطورات التكنولوجية دون النظر لمدى مناسبتها للمنطقة و ظروفها الثقافية و الاجتماعية و البيئية.

تنتشر اليوم ظاهرة هدم المبانى التى انشأت خلال الستينيات و السبعينيات ليحل محلها مبانى جديدة تظهر محاولات اضفاء طابع معمارى يظهر الانتماء و الهوية لثقافة و تاريخ المنطقة. و تكمن اشكالية الطابع المعمارى فى دولة الامارات العربية المتحدة فى وجود تأثير قوى لعدة عوامل ذات اهداف متباينة. فالاتجاه لاستغلال القوة الاقتصادية المتوفرة بهدف تحقيق اقصى استغلال للتكنولوجيا الحديثة من مواد بناء و نظم انشاء دون التقيد بطابع معمارى معين فى سبيل اللحاق بركب الحضارة العالمية يقابل الاتجاه الى مراعاة النواحى الثقافية و الاجتماعية الذى يدعو الى التضحية ببعض الجوانب الاقتصادية و التكنولوجية فى سبيل تحقيق طابع معمارى ينتمى للمنطقة و يوفر لسكانها الشعور بالانتماء و الاستمرارية التاريخية.

و بالرغم من تعدد الاراء و الاتجاهات يبقى الطابع المعمارى من المظاهر التى تؤثر فى تطور و شخصية الشعوب و التى يجب ان تنال القسط المناسب من المناقشة و الامعان على مختلف المستويات السياسية و الثقافية و الشعبية. فالعمارة هى نتاج تفاعل العديد من العوامل الاقتصادية و الثقافية و الاجتماعية و السياسية و الانسانية و هى لا تمثل فقط الواقع الحالى للمجتمعات و الشعوب و لكنها تؤثر فى توجهات المجتمع المستقبلية حيث انها البيئة التى تتفاعل فيها كافة الانشطة الانسانية المختلفة.و كما قال ونستون تشرشل: "نحن نبنى عمارتنا و عمارتنا تبنينا".