Wednesday, May 30, 2012

التراث المعماري - القيمة والحفاظ - محاضرة فى 1998

بسم الله الرحمن الرحيم وبه نستعين


بلدية دبي - دولة الإمارات العربية المتحدة
المحاضرات الثقافية خلال مهرجان دبي 1998

 



محاضرة عن

التراث المعماري - القيمة والحفاظ

 


تقديم

د.م. ياسر عثمان محرم محجوب

قسم الهندسة المعمارية - كلية الهندسة

جامعة الإمارات العربية المتحدة


مقدمة

"المعالم المعمارية هي إفراز طبيعي للتفاعلات الحضارية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية في كل مرحلة، منذ فجر التاريخ حتى العصر الحديث."[1] 
يعتبر التراث المعماري من أهم مظاهر التطور الإنساني في كافة عصور التاريخ. تأثرت البيئة العمرانية باحتياجات كل مرحلة من مراحل التطور الإنساني وتغيرت تبعا لتغيرها فأنتجت ما نعتبره اليوم "التراث المعماري" الذي كان في الماضي جزءا من الحياة اليومية مثله مثل ما ننتجه اليوم من مبان ومنشآت نستخدمها في حياتنا اليومية.
تناقش هذه المحاضرة قيمة التراث المعماري وأهمية اختيار الأساليب المناسبة للتعامل معه حتى نتمكن من المحافظة على تلك القيمة والاستفادة منها.

قيمة التراث المعماري

تتمثل قيمة التراث المعماري فيما يلي:

1. قيمة اقتصادية

إن ما توارثناه عن الأجداد هو نتيجة استثمار كبير لمصادر الطاقة في ذلك الوقت ولذا يجب أن نتعامل معه بكل حرص وان لا نقوم بتدميره بدون دراسة الإيجابيات والسلبيات بكل حرص وعناية. والقيمة الاقتصادية للتراث المعماري تفوق ثمنه الفعلي حيث أن مواد وتقنيات بنائه غالبا ما تكون بسيطة مقارنة بوقتنا الحالي ولكن قيمته تكمن في الوقت الذي تمت فيه وحقيقة بقائها حتى وصلت إلينا.

2. قيمة ثقافية

وتفوق القيمة الثقافية للتراث المعماري قيمته الاقتصادية فهو يمثل فترة تاريخية في حياة الشعوب يتوفر من خلالها توثيق الصلة بين الماضي والحاضر. وتعتبر المعالم المعمارية القديمة والحديثة من أهم مظاهر الثقافة والحضارة وهى التي يسعى السائحين لزيارتها والتمتع بمشاهدتها.

التراث المعماري والسياحة

تعتبر صناعة السياحة من أهم الصناعات العالمية التي تهتم بها الدول كافة لما تحققه من دخل و انتعاش اقتصادي على كافة المستويات. وتعتبر عناصر التراث المعماري من أهم عناصر الجذب بالنسبة للسياحة العالمية و المحلية على حد السواء.
و كما هو واضح، فان السائح الذي يقوم بزيارة معالم التراث العمراني لا يقوم "باقتناء" تلك المعالم و لكن يقوم "باقتناء" تجربة إنسانية نشأت من تلك الزيارة.[2]
و من الممكن اعتبار السائح "المستخدم للتراث" في سبيل توليد تجارب إنسانية و تاريخية والإحساس بعبق الماضي. و لكن لاستخدام التراث المعماري تأثير مباشر على التراث نتيجة سوء الاستخدام أحيانا أو نتيجة التغيرات المتعمدة للتراث لاستيعاب السياحة كعنصر من عناصر الاستغلال. و من المفيد التعرف على نوعية السائح و رغباته و طريقة استخدامه للتراث المعماري و التجربة الإنسانية التي يمر بها و يستخلصها من زيارة المناطق التراثية.

الحفاظ على التراث المعماري

شهدت الإنسانية خلال القرن الحالي العديد من الحروب المدمرة التي أظهرت مدى ضعف التراث العمراني والإنساني عامة أمام قوة تدمير الأسلحة والحروب الحديثة. وباختفاء العديد من المباني التراثية أثناء الحرب العالمية الثانية بدأ الإنسان يدرك أهمية العمل على الحفاظ على التراث العمراني من الفناء. فبالرغم من تأثير الزمن والتآكل الطبيعي وتأثير الكوارث الطبيعية من زلازل وفيضانات على التراث العمراني فان تأثير الإنسان على التراث العمراني كان افدح واكبر. كذلك أثرت التكنولوجيا في توفير أساليب التطور العمراني السريع واختفاء العديد من المباني والمناطق الأثرية لإفساح المجال للطرق والمشروعات العامة والصناعية الكبيرة. وساهمت الصناعة في زيادة التلوث البيئي للهواء والمياه مما أثر تأثيرا مباشرا على التراث العمراني. فبالإضافة للتلوث الناتج من عادم السيارات انتشرت مداخن المصانع تنشر في الهواء الملوثات التي تؤثر على الإنسان والجماد معا.

مستويات الحفاظ على التراث المعماري

تتعدد مستويات الحفاظ تبعا لحجم و نوع التراث المعماري وأهميته. و يمكن تصنيفها كما يلي:
1- الحفاظ على العناصر التراثية: و هو عادة ما يتم من خلال المتاحف للحفاظ على القطع و العناصر الأثرية بعد ترميمها و معالجتها بأسلوب علمي يضمن بقائها و سلامتها.
2- الحفاظ على المبنى الواحد: مثل عمليات الترميم و التجديد للمباني التراثية و تحويلها إلى متاحف أو مزارات سياحية.
3- الحفاظ على مجموعة من المباني: في حالة وجود مجموعة من المباني التراثية المتجاورة يتم الحفاظ عليها كمجموعة كاملة وتظهر القيمة التراثية للمجموعة أهمية كل وحدة.
4- الحفاظ على ممر تراثي: في حالة وجود مجموعات من المباني التراثية تمثل اتصال بين منطقة وأخرى على جانبي ممر أو طريق.
5- الحفاظ على منطقة تراثية كاملة: في حالة وجود منطقة كاملة تمثل التراث العمراني و يشمل ذلك المباني و الممرات التراثية.
6- الحفاظ على المستوى الإقليمي: و يتم التخطيط له على مستوى الإقليم أو الدولة و يتضمن مستويات الحفاظ السابقة و يتكامل مع الحفاظ على مناطق أو ممرات تراثية أخري.
7- الحفاظ على المستوى الدولي: و يتضمن الحفاظ على نماذج من التراث العمراني كمثال على التطور الإنساني عامة و عادة ما تشارك فيه الهيئات العالمية مثل اليونسكو.

أساليب الحفاظ على التراث المعماري

مهما يكن سبب المحافظة على الموقع، يجب توفير سبل الحفاظ، ليس على الوحدات المنفردة فحسب، بل على المعالم الأصلية للمنطقة ككل.[3]
تختلف أساليب الحفاظ تبعا لنوع و حالة الأثر أو التراث العمراني و تتضمن الأساليب التالية:

1. إعادة البناء       REbuild/REproduce

يتضمن هذا الأسلوب إعادة البناء المباني القديمة على مثل الحالة التي كانت عليها في الماضي.

2. الترميم    REstore

ترميم القطع و المباني التراثية إلى مثل الحالة التي كانت عليها في الماضي.

3. التجديد    REnovate/REinstate

و يتضمن التجديد استعمال مواد حديثة و محاولة توصيل الأثر إلى حالة قريبة من حالته وقت إنشائه.

4. الإحياء    REvitalization

و هو إحياء المنطقة التراثية ككل إلى ما كانت عليه من قبل بإضافة أنشطة و مرافق كانت موجودة من قبل.

5. الارتقاء   REctify

الارتقاء بالمنطقة عمرانيا و اجتماعيا و اقتصاديا في سبيل تحسين مستوى بإضافة أنشطة لم تكن متواجدة من قبل تتناسب مع متطلبات العصر الحديث.

6. إعادة الاستخدام  REuse

و يتضمن استخدام المبنى في نفس الغرض الذي أنشئ من أجله أو استخدامه بطريقة جديدة.

إشكالية الحفاظ على التراث المعماري

بالرغم من اتفاق الجميع على أهمية الحفاظ على التراث العمراني الإنساني إلا أن محاولات الحفاظ على التراث العمراني تتعسر في مواجهة احتياجات التطوير العمراني. فبحساب الكلفة الاجتماعية والكلفة الاقتصادية والكلفة الثقافية لمشروعات الحفاظ ومقابلتها بالكلفة الاجتماعية والكلفة الاقتصادية والكلفة الثقافية لمشروعات التطوير العمراني في مجالات الإسكان أو التعليم أو الصحة نجد أنه يتم تفضيل مشروعات التطوير على حساب مشروعات الحفاظ. وعندها يعتبر البعض الحفاظ عائق نحو التقدم والارتفاع بمستوى معيشة أفراد المجتمع.
يعتبر الاهتمام باحتياجات الحاضر على حساب التراث الإنساني من الأخطاء الجسيمة التي ارتكبتها الإنسانية في كثير من العصور. فالسبيل الوحيد للمعاصرة  الصادقة هو إدماج تراث الماضي الأصيل في الواقع المعاصر.
مع زيادة الظواهر المحيطة بنا التي تعتبر شواهد على الماضي تزداد إشكالية الاختيار بينها. فحتى الظاهرة الحديثة يمكن اعتبارها تستحق الحفاظ عليها كدفاع ضد التغير السريع في التكنولوجيا أو كرمز من رموز الهوية الثقافية أو الاثنين معا.[4]
وتبقى مشكلة الاختيار بين التراث وما تركه السلف من القضايا التي تحير المختصين على كافة المستويات. فإما أن يكون التراث ذو مكانة تاريخية خاصة أو ذو أهمية معمارية أو تصميميه أو إبداعية خاصة أو متفردا لا يوجد منه الكثير وإلا يصبح الحفاظ على التراث عمل بلا هدف حقيقي. وكذلك فان المعايير الجمالية تتطور باستمرار[5]. فالمعالم التي كانت تعتبر تاريخيا أو إنسانيا معالم متميزة تتغير مع الزمن وتصبح غير متميزة في عصر آخر وبالتالي تفقد أهميتها التراثية.
ومثلما تحدث أخطاء كبيرة نتيجة تدمير التراث المعماري تحدث أخطاء اكبر نتيجة محاولات الحفاظ الغير مناسبة.
1) من الأخطاء الشائعة تصور البعض إمكانية عودة الإنسان للعيش بأسلوب الحياة القديمة من خلال بناء مباني مماثلة للمباني التراثية.
2) أساءت عمارة ما بعد الحداثة استخدام العناصر التراثية وتشويهها من خلال تجارب عديدة تضمنت تغيير المقياس والنسب.
3) إضافة ملامح تراثية من العمارة المحلية على المباني الحديث إرضاء للعميل دون دراسة وتحليل.

الخلاصة

اصبح الحفاظ على التراث العمراني مسئولية تاريخية إنسانية من اجل المساهمة في الإبقاء على معالم الماضي لكي يراها أبناء المستقبل. فمنذ أن وعى الإنسان الحتمية التاريخية للماضي والحاضر والمستقبل حاول تسجيل الحاضر والحفاظ على الماضي لتراه أجيال المستقبل. ومع استمرار التدفق الثقافي للحضارات العالمية اصبح الحفاظ على الهوية الحضارية من خلال الحفاظ التراث العمراني هدفا أساسيا.
*********

الأشكال


شكل رقم (1) مستويات الحفاظ على التراث المعماري

شكل رقم (2) أساليب الحفاظ على التراث المعماري



[1]- د. عبد الباقي إبراهيم ود. حازم إبراهيم، "المنظور التاريخي للعمارة في المشرق العربي"، مركز الدراسات التخطيطية والمعمارية، فبراير 1987. ص. 3
 - [2]Prentice, Richard, "Tourism and Heritage Attractions", Routledge, London and New Yourk, 1993. p. 202
[3]- بودريغو م. ف. دى اندرادى، "الحفاظ على المواقع الحضرية" ترجمة الدكتور خالص الاشعب في صيانة التراث الحضاري  المنظمة العربية للتربية و الثقافة و العلوم، إدارة الثقافة - تونس 1990. ص 323
[4] - Isar, Yudhishthir Raj, Ed., "Why Preserve the Past? The Challenge to Our Cultural Heritage", Smithsonian Institute Press, Washington, D.C. and UNESCO, Paris, 1986. p. 11
[5]- Erder, Cevat, "Our Architectural Heritage: from consciousness to conservation", UNESCO, Paris, 1986. p. 15